فهرس الكتاب

الصفحة 75 من 265

يقصد إلى سيادتهم الخارجية. بل لقد ذهب الإسلام في هذه السياسة إلى حدود بعيدة، ففي الهند مثلًا كانت الشعائر القديمة تقام في الهياكل و المعابد في ظل الحكم الإسلامي!" [1] ."

لقد أثارت مبادئ التسامح الديني وحرية الاعتقاد في الإسلام فيما أثارته احترام المفكرين والعلماء والمستشرقين المنصفين من الغرب وكذلك الكتاب والباحثين العرب النصارى، فقد تطرق"يوسف نعيم عرافة"في خطبة له في مناسبة المولد النبوي عام 1346 هـ 1927 م، إلى معاهدة الرسول مع أصحاب الديانات الأخرى، لاسيما المسيحيين منهم، فيقول:

"إن محمدا ً [- صلى الله عليه وسلم -] هو باني أساس المحبة والإخاء بيننا، فقد كان يحب المسيحيين ويحميهم، من ذلك: ما قام به في السنة السادسة بعد الهجرة، حيث عاهد الرهبان خاصة والمسيحيين عامة، على أن يدفع عنهم الأذى، ويحمي كنائسهم وعلى أن لا يتعدى على أحد من أساقفتهم ولا يجبر أحدًا على ترك دينه، وأن يُمدوا بالمساعدة لإصلاح دينهم وأديرتهم، كما أن القرآن نطق بمحبة المسيحيين للمسلمين وبمودتهم لهم، وإن الآية الشريفة: {وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوَا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ [2] } ، لتبعث على شد أواصر الصداقة بين الطرفين، بل حتى مع الشعب الإسرائيلي في أكثر الأوقات، إننا لنعلم أن ما أتى به الرسل موسى وعيسى ومحمد [عليهم والصلاة والسلام] ما هو إلا لإصلاح العالم لا لإفساده وخرابه، وما الكتب الثلاثة المنزلة إلا نور صادر من بؤرة واحدة ينعكس نورها في ثلاثة أشعة، كل منها للبشر" [3]

هذا، ومن أهم النصوص الإسلامية في التسامح الديني وحرية الاعتقاد ..

قول الحق تبارك وتعالى: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 256] .

يقول الأستاذ سيد قطب - رحمه الله - في ظلال هذه الآية:"إن قضية العقيدة - كما جاء بها هذا الدين - قضية اقتناع بعد البيان والإدراك؛ وليست قضية إكراه وغصب وإجبار. ولقد جاء هذا الدين يخاطب الإدراك البشري بكل قواه وطاقاته. يخاطب العقل المفكر، والبداهة الناطقة، ويخاطب الوجدان المنفعل، كما يخاطب الفطرة المستكنة. يخاطب الكيان البشري كله، والإدراك البشري بكل جوانبه؛ في غير قهر حتى بالخارقة المادية التي قد تلجئ مشاهدها الجاء إلى الإذعان، ولكن وعيه لا يتدبرها وإدراكه لا يتعقلها لأنها فوق الوعي والإدراك ... فكيف بالمذاهب والنظم الأرضية القاصرة المتعسفة وهي تفرض فرضًا بسلطان الدولة؛ ولا يسمح لمن يخالفها بالحياة؟!" [4] .

(1) انظر: محمد أبو فارس: النظام السياسي في الاسلام، ص 21

(2) سورة المائدة: الآية 82، والاستشهاد للباحث النصراني يوسف نعيم عرافة.

(3) انظر: محمد شريف الشيباني: الرسول في الدراسات الإستشراقية المنصفة 110.

(4) سيد قطب: في ظلال القرآن، المجلد الأول، تفسير الآية 256 من سورة البقرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت