المبحث الرابع
رحمته للأيتام
المطلب الأول: النبي - صلى الله عليه وسلم - اليتيم:
يقول جيمس متشنر عن النبي - صلى الله عليه وسلم:"ولد يتيمًا محبًا للفقراء والمحتاجين والأرامل واليتامى" [1] ويقول"فيليب حتي"ومع أنه كان في دور من أدوار حياته يتيمًا فقيرًا، فقد كان في قلبه دائمًا سعة لمؤاساة المحرومين في الحياة" [2] ."
ومن أولى بحب اليتيم من محمد - صلى الله عليه وسلم -، وهو نبي الرحمة اليتيم، الذي رغب في كفالة الأيتام وإيوائهم، وهو الذي ذاق مرارة اليتم، إذ حُرِم محمد - صلى الله عليه وسلم - من أمه وأبيه، فلم تكتحل عيناه برؤية أبيه، ثم لم يلبث أن فقد أمه وهو في سنة السادسة من عمره، فآواه ربه سبحانه ورباه، وامتنَّ عليه بهذه النعمة قائلًا:
{أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآَوَى (6) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (7) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (8) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (9) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (10) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (11) } ، وأمره بشكر هذه النعمة بألا يقهر يتيمًا أو يجرحه أو يهينه، وأن يجبر كسر قلبه، ويمسح على رأسه، ويكون هو الأب الأكبر الحنون لكل أيتام البشرية! لاسيما في أوقات كان المجتمع قاسيًا لا يرحم يتيمًا. فقد بُعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مجتمعات - كما يقول سيدني فيشر-:"يعامل فيها الأرامل واليتامى وسائر الضعفاء كأنهم من سقط المتاع. فإذا بمحمد - عليه السلام - وهو فقير من كل ما يعتز به الملأ قد جاءهم بالهداية إلى الله وإلى سبل الخلاص، وغيّر مقاييس الأخلاق والآداب في أرجاء البلاد العربية" [3] ..
فعاش سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - وقد"شغل باله بحال اليتامى على الدوام .." [4] على حد قول لويس سديو.
وبهذا لا تنكسر نفس اليتيم ولا يشعر بذلَّة أو حزن حينما يرى كل ولد بجوار أبيه يقبل بفرح إليه، ويرتمي في أحضانه، لأنه وجد في المسلمين أكثر من واحد يصنع معه ذلك.
ولذك نجد أن القرآن الكريم تحدث في شأن اليتيم في ثلاثة وعشرين موضعًا، نظرًا لأهمية تضافر المجتمع لرعاية اليتيم، كما سن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
(1) نقلا عن: محمد شريف الشيباني، الرسول في الدراسات الإستشراقية المنصفة،120
(2) فيليب حتى: الإسلام منهج حياة، ص 54.
(3) سيدني فيشر: الشرق الأوسط في العصر الإسلامي، عن العقاد: ما يقال عن الإسلام، ص 54 - 55
(4) لويس سديو: تاريخ العرب العام، ص 110.