لما استسلم يهود خيبر (في المحرم 7 هـ / مايو 628) ، في نهاية معركة رسول الله معهم صالحهم صلى الله عليه وسلم -، وأعطاهم الأرض، يَعْمَلُوا فيها وَيَزْرَعُوهَا، وَلَهُمْ شَطْرُ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا [1] .
وفي هذه المصالحة - بهذا الشكل - رحمة وعفو كبيرين بأهل خيبر ..
فهم في الحقيقة يستحقون الإعدام! فهم قد خانوا النبي - صلى الله عليه وسلم - وغدروا وتحالفوا مع مشركي قريش سرًا، وأصبحت قيادات خيبر والفصائل اليهودية الأخرى عملاء وجواسيس لمشركي مكة وغطفان .. كل هذا إلى جانب أنهم السبب الرئيسي في تحزيب جيوش الأحزب، من كل حدب وصوب ..
ولما أقدمت امرأة منهم على محاولة اغتيال النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حيث أهدت لِرَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -شَاةٌ فِيهَا سُمٌّ [2] .. وتُوفي اثر هذه المحاولة الفاشلة أحد الصحابة .. لم ينقلب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أهل خيبر ولم يعمل فيهم القتل - كما يفعل بعض الزعماء في مثل هذه المواقف - إنما أثبت الصلح وأقر العهد.
المبحث الثالث
رحمته للخصوم والأعداء
المطلب الأول: لماذا القتال؟
هاجر المسلمون من مكة إلى المدينة [في يوليه 622 م] [3] فرارًا بدينهم ولبناء مجتمع إسلامي جديد آمن، ولتكون المدينة مقرًا للدعوة الإسلامية تنطلق منها البعوث والرسل إلى شتى بقاع الأرض تبلغ رسالات الله إلى العالم ..
وبالفعل نجح المسلمون في تأسيس أول دولة إسلامية، وأخذ رسول الله يعقد الأحلاف والعقود مع القبائل والجماعات على الصعيدين الداخلي والخارجي للمدينة، وأصبح للمسلمين لأول مرة كيان معترف به من هذه القبائل ..
(1) صحيح البخاري - (3917)
(2) صحيح البخاري - (3918)
(3) رالف لنتون: شجرة الحضارة، 1/ 341.