فهرس الكتاب

الصفحة 121 من 265

عنصر الثبات و عنصر المرونة .. وبهذه المزية يستطيع المجتمع المسلم أن يستمر و يرتقي؛ ثابتًا على أصوله و قيمه وغاياته، متطورًا في معارفه و أساليبه وأدواته. فبالثبات، يستعصي هذا المجتمع على عوامل الانهيار والفناء، أو الذوبان في المجتمعات الأخرى، أو التفكك إلى عدة مجتمعات، تتناقض في الحقيقة و إن ظلت داخل مجتمع و احد في الصورة .. بالثبات يستقر التشريع وتتبادل الثقة و تبنى المعاملات والعلاقات على دعائم مكينة، وأسس راسخة، لا تعصف بها الأهواء والتقلبات السياسية والاجتماعية ما بين يوم و آخر ... وبالمرونة، يستطيع هذا المجتمع أن يكيف نفسه وعلاقاته حسب تغير الزمن، وتغير أوضاع الحياة، دون أن يفقد خصائصه و مقوماته الذاتية [1] ..

وإن المبدأين كليهما (الثبات و التغير) يعبران عما هو أكثر من سمة من سمات هذا الدين؛ إنهما يعبران عن مكونات هذه الشريعة .. فأحكام الشريعة نجدها تنقسم إلى قسمين أساسيين: قسم يمثل الثبات و الخلود، و قسم يمثل المرونة و التطور .. ولكن ما هو مجال الثبات ومجال المرونة في شريعة الإسلام؟ و ما دلائل ذلك .. نبين ذلك في المطلب التالي.

المطلب الثالث: في مجال الثابت و مجال المتغير:

يقول ابن القيم ـ يرحمه الله ـ:

"الأحكام نوعان: نوع لا يتغير عن حالة واحدة هو عليها، لا بحسب الأزمنة و لا الأمكنة، و لا اجتهاد الأئمة، كوجوب الواجبات، و تحريم المحرمات، والحدود المقدرة بالشرع على الجرائم، و نحو ذلك، فهذا لا يتطرق إليه تغيير، و لا اجتهاد يخالف ما وُضع عليه. و النوع الثاني: ما يتغير بحسب اقتضاء المصلحة له زمانًا و مكانًا و حالًا، كمقادير التعزيرات .." [2] .

ويبين الدكتور يوسف القرضاوي مجال الثابت و مجال المرن في شريعة الإسلام على نحو أشمل فيقول:".. إنه الثبات على الأهداف و الغايات، والمرونة في الوسائل و الأساليب .. الثبات على الأصول و الكليات، والمرونة في الفروع والجزئيات .. الثبات على القيم الدينية و الأخلاقية، والمرونة في الشئون الدنيوية و العملية" [3] .

وإن للثبات والمرونة مظاهر و دلائل شتى، نجدها في مصادر الإسلام وشريعته وتاريخه .. يتجلى هذا الثبات في المصادر الأصلية النصية القطعية للتشريع من كتاب الله، وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، فالقرآن هو الأصل والدستور، والسنة هي الشرح النظري، والبيان العملي للقرآن، وكلاهما مصدر إلهي معصوم، لا يسع مسلمًا أن يعرض عنه .. وتتجلى المرونة في المصادر الاجتهادية التي اختلف فقهاء الأمة في مدى الاحتجاج بها ما بين موسع ومضيق، ومقل ومكثر، مثل الإجماع، والقياس، والاستحسان،

(1) انظر: يوسف القرضاوي: الخصائص العامة للإسلام، ص 203.

(2) ابن القيم: إغاثة اللهفان، ج 1، ص 346، 349.

(3) يوسف القرضاوي: الإسلام و العلمانية وجهًا لوجه، ص 151

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت