المبحث الرابع
رعاية العلم والمعرفة
المطلب الأول: بداية عصر العلم والمعرفة:
إن الحركة العلمية والثقافية التي قام بها محمد - صلى الله عليه وسلم - متعددة الجوانب، اجتماعيًا وسياسيًا ودينيًا وثقافيًا. لقد كان العهد الإسلامي الذي بدأ مع إقامة أول دولة إسلامية بقيادته - صلى الله عليه وسلم - في المدينة المنورة، فاتحة عهد جديد وخير للبشرية جمعاء: عهد علم وثقافة ومعرفة.
فلقد افتتح النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - حسب رأي العديد من علماء الشرق والغرب عهدًا جديدًا، وعصرًا للنور والعلم والمعرفة، فكان كفاحه حين صدع بالدعوة الإسلامية، لنشر رسالة الله، لإزالة ما تراكم في ذلك المجتمع الجاهلي الوثني من معتقدات خرقاء، وأنماط اجتماعية سوداء. . وهذا ما دفع الدكتور ماركس إلى إعلان قولته الشهيرة التي نصها:
"هذا النبي [- صلى الله عليه وسلم -] الذي افتتح برسالته عصر العلم والنور والمعرفة لا بد أن تدون أقواله وأفعاله على طريقة علمية خاصة، وبما أن هذه التعاليم التي قال بها [يعنى النبي محمد - صلى الله عليه وسلم -] ، هي وحي الله المنزل ورسالته، فقد كان عليه [- صلى الله عليه وسلم -] أن يمحو ما تراكم على الرسالات السابقة من التبديل والتحوير، وما أدخله عليها الجهل من سخافات لا يعول عليها عاقل" [1] . وهذا ما فعله النبي - صلى الله عليه وسلم -!
"ومنذ عام 700 م بدأت إشراقة الحضارة العربية الإسلامية تمتد من شرقي المتوسط إلى بلاد فارس شرقًا وإسبانيا غربًا، فأعيد اكتشاف قسم كبير من العلم القديم، وسجلت اكتشافات جديدة في الرياضيات والكيمياء والفيزياء وغيرها من العلوم .. وفي هذا المجال كما في غيره؛ كان العرب معلمين لأوربة، فساهموا في نهضة العلوم على هذه القارة" [2] .
المطلب الثاني: القرأة أولي تعاليم النبي - صلى الله عليه وسلم:
يقول نصري سلهب:"أولى الآيات البيّنات .. كانت تلك الدعوة الرائعة إلى المعرفة، إلى العلم عبر القراءة .. {اقْرَا} [3] .. وقول الله هذا لم يكن لمحمد [- صلى الله عليه وسلم -] فحسب، بل لجميع الناس، ليوضح لهم، منذ الخطوة الأولى، بل منذ الكلمة الأولى أن الإسلام جاء يمحو الجهل وينشر العلم والمعرفة" [4] .
وهذا ما يشيد به أيضًا"واجنر"، حيث يقول:".. الإسلام دين العلم، ويكفي أن أول آية في القرآن أنزلت على محمد [- صلى الله عليه وسلم -] هي قوله تعالى: {اقْرَا} ، وهذا اتجاه فريد يصعب وجوده في تاريخ الكنائس والأديان الأخرى. ولهذا تجدني وصلت من خلال الدراسات الإسلامية وما قرأته في كتاب الله تعالى"
(1) انظر: محمد شريف الشيباني: الرسول في الدراسات الإستشراقية المنصفة، 178
(2) دانييل بريفولت: نشأة الإنسانية، ص 84
(3) قول الله تعالى {اقْرَا بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} سورة العلق: الآية الأولى.
(4) نصري سلهب: لقاء المسيحية والإسلام، 92