توصلوا إلى المنهج التجريبي في البحث الذي حلّ محل المنهج المنطقي العقيم الذي كان سائدًا عند الإغريق قبل ذلك .. لقد أنتجت هذه الحقبة من الزمان للدنيا رجالًا عظماء .. ساهموا مساهمة عظيمة في تشييد صرح الحضارة الإنسانية وكانوا يستلهمون هديهم من القرآن الكريم في جميع نشاطاتهم" [1] ."
دخل الرسول - صلى الله عليه وسلم - في صراع ونضال ضد أصحاب عصر الظلام، والنزعات الرجعية، والموروثات المتخلفة التي عفى عليها الزمن، كما تبين لورافيشيا فاغليري بقولها:"دعا الرسول العربي [- صلى الله عليه وسلم -] بصوت ملهم باتصال عميق بربه .. دعا عبدة الأوثان وأتباع نصرانية ويهودية محرّفتين على أصفى عقيدة توحيدية. وارتضى أن يخوض صراعًا مكشوفًا مع بعض نزعات البشر الرجعية التي تقود المرء إلى أن يشرك بالخالق آلهة أخرى .." [2] .
ولقد بذل النبي - صلى الله عليه وسلم - مجهودًا ضخمًا في سبيل تنوير العرب ودحر الوثنية .. يبّين ذلك المؤرخ الأمريكي واشنجتون إيرفنج بقوله:
"لقي الرسول [- صلى الله عليه وسلم -] ... كثيرًا من العناء، وبذل عدة تضحيات. فقد شك الكثير في صدق دعوته، وظل عدة سنوات دون أن ينال نجاحًا كبيرًا، وتعرض خلال إبلاغ الوحي إلى الإهانات والاعتداءات والاضطهادات، بل اضطر إلى أن يترك وطنه ويبحث عن مكان يهاجر إليه هنا وهناك، وتخلى عن كل متع الحياة وعن السعي وراء الثراء من أجل نشر العقيدة." [3] .
ويؤكد ذلك هنري دي كاستري (1927 - 1850) بقوله:".. ولقد نعلم أن محمدًا [- صلى الله عليه وسلم -] مرّ بمتاعب كثيرة وقاسى آلامًا نفسية كبرى قبل أن يخبر برسالته، فقد خلقه الله ذا نفس تمحّضت للدين، ومن أجل ذلك احتاج إلى العزلة عن الناس لكي يهرب من عبادة الأوثان، ومذهب تعدد الآلهة الذي ابتدعه المسيحيون، وكان بغضهما متمكنًا من قلبه، وكان وجود هذين المذهبين أشبه بإبرة في جسمه [- صلى الله عليه وسلم -] ، ولعمري! فيم كان يفكر ذلك الرجل الذي بلغ الأربعين وهو في ريعان الذكاء ومن أولئك الشرقيين الذين امتازوا في العقل بحدة التخيّل وقوة الإدراك .. إلا أن يقول مرارًا ويعيد تكرارًا هذه الكلمات"الله أحد الله أحد". كلمات رددها المسلمون أجمعون من بعده وغاب عنا معشر المسيحيين مغزاها لبعدنا عن فكرة التوحيد .." [4] .
وتقول الكاتبة الإنكليزية اللادي ايفلين كوبولد [5] :
(1) انظر: عرفات كامل العشي: رجال ونساء أسلموا، 8/ 1108 - 109.
(2) لورافيشيا فاغليري: دفاع عن الإسلام، ص 43.
(3) إميل درمنغم: حياة محمد، ص 300.
(4) هنري دي كاستري: الإسلام: خواطر وسوانح، ص 16، 17
(5) كاتبة إنجليزية، اعتنقت الإسلام وزارت الحجاز، وحجت إلى بيت الله، وكتبت مذكراتها عن رحلتها تلك في كتاب لها بعنوان: (الحج إلى مكة) (لندن 1934) والذي ترجم إلى العربية بعنوان: (البحث عن الله) .