"يجلو الظلمات، ويكشف الشبهات، وينير الطريق، نورًا هادئًا هاديًا كالسراج المنير في الظلمات. وهكذا كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما جاء به من النور. جاء بالتصور الواضح البين النير لهذا الوجود، ولعلاقة الوجود بالخالق، ولمكان الكائن الإنساني من هذا الوجود وخالقه، وللقيم التي يقوم عليها الوجود كله، ويقوم عليها وجود هذا الإنسان فيه؛ وللمنشأ والمصير، والهدف والغاية، والطريق والوسيلة" [1] . .
و"أي الناس أولى بنفي الكيد عن سيرته من أبي القاسم [- صلى الله عليه وسلم -] ؛ الذي حول الملايين من عبادة الأصنام الموبقة إلى عبادة الله رب العالمين، ومن الضياع والانحلال إلى السموّ والإيمان، ولم يفد من جهاده لشخصه أو آله شيئًا مما يقتتل عليه طلاب الدنيا من زخارف الحطام" [2] .
يقول المستشرق الأيرلندي المستر هربرت وايل":"
"بعد ستمائة سنة من ظهور المسيح ظهر محمد [- صلى الله عليه وسلم -] فأزال كل الأوهام، وحرم عبادة الأوهام، وكان يلقبه الناس بالأمين، لما كان عليه من الصدق والأمانة وهو الذي أرشد أهل الضلال إلى الصراط المستقيم" [3] .
فبعدما كانت عبادة الحجارة والأشخاص والنار والبهائم هي العبادة السائدة المسيطرة على الشعوب، أصبحت عبادة الله ـ تبارك وتعالى ـ هي العبادة السائدة وأكثر انتشارًا، وبذلك يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أعاد دين إبراهيم وموسى وعيسى ـ ابن مريم ـ عليهم السلام-، إلى الحياة مرة أخرى، بعدما حُرف الدين الحق (دين الأنبياء) من قبل الأنظمة الغابرة المستبدة، التي استعبدت الشعوب، وأغرقته في الظلام والجهل ..
إن عظمة النبي - صلى الله عليه وسلم - البارزة لكل متبصر، تكمن في أنه كان حامل رسالة سماوية تنويرية، عنوانها لا إله إلا الله، تهدف أساسًا إلى إصلاح حياة البشرية عامة، تحريرها من عبادة الأوثان والشيطان .. ومن ثم نقلها من البربرية والوثنية إلى الحضارة المستنيرة ..
جاء النبي - صلى الله عليه وسلم - بشريعة خلقت جيلًا فريدًا ضرب المثل الأعلى في النبوغ العقدي والفكري ..
الأمر الذي دفع علماء الغرب إلى النظر للإسلام على أنه دين تنويري، أو بعبارة الدكتور مكسيم رودنس"دين عقلاني بعيد كل البعد عن العقائد المسيحية المخالفة للعقل .. ثم إنه وفّق بين الدعوة إلى حياة أخلاقية وبين حاجات الجسد والحواس والحياة في المجتمع. وخلاصة القول فهو كدين كان قريبًا جدًا من الدين الطبيعي الذي كان يعتقد به معظم رجال عصر التنوير .." [4] ..
ومن ثم يقول"ناجيمو راموني" [5] :"إن الإسلام هو أعظم الأديان ملاءمة لجيلنا المتحضر ولكل جيل. فالإسلام لا يفصل بين الدين والدنيا بحيث تتحول الحياة إلى طريقين مختلفين تمامًا، وهذا يشكل خلاصة الأزمة المعاصرة للإنسان. لقد اعتنقت الإسلام لأنه دين طبقات الناس جميعًا، كبيرها وصغيرها، غنيها وفقيرها، دين الأحرار والعبيد، والسادة والمسودين" [6] .
ولذلك يقول الأستاذ القانوني الإنكليزي المستر ولز:"كل شريعة لا تسير مع المدنية في طور من أطوارها فاضرب بها عرض الحائط ولا تبال بها! لأن الشريعة التي لا تسير مع المدنية جنبًا إلى جنب هي شر مستطير على أصحابها، تجرهم إلى الهلاك، وإن الشريعة التي وجدتُها تسير مع المدنية، أنى سارت هي الشريعة الإسلامية" [7] ..
ويدلل على ذلك قائلًا:"وإذا أراد إنسان أن يعرف شيئًا من هذا؛ فليقرأ القرآن وما به من نظريات علمية وقوانين وأنظمة لربط المجتمع، فهو كتاب ديني، علمي، اجتماعي، تهذيبي، خُلقي، تاريخي، وكثير من أنظمته وقوانينيه تستعمل حتى في وقتنا الحالي، وستبقى مستعمله حتى قيام الساعة، وهل في استطاعة إنسان أن يأتي بدور من الأدوار كانت فيه الشريعة الإسلامية مغايرة للمدنية والتقدم؟!" [8] .
إن الشريعة الإسلامية كانت خير هدية من الله للعالم المتحضر، على حد قول جوزيف شاخت [9] فهي"تختلف اختلافًا واضحًا عن جميع أشكال القانون، إلى حدّ أن دراستها أمر لا غنى عنه لكي نقدر المدى الكامل للأمور القانونية تقديرًا كافيًا .. إن الشريعة الإسلامية شيء فريد في بابه، وهي جملة الأوامر الإلهية التي تنظم حياة كل مسلم من جميع وجوهها، وهي تشتمل على أحكام خاصة بالعبادات والشعائر الدينية كما تشتمل على قواعد سياسية وقانونية .." [10]
ويبين"ديبورا بوتر"أن الإسلام جاء بعصر التنوير الحقيقي في المجالات الحياتية المختلفة، فيقول:
"لقد جاء الإسلام بعصر التنوير الحقيقي في المجالات العلمية والثقافية والفنية بصورة لم يسبق لها مثيل في عظمتها إلى يوم الناس هذا .. فبين عام 700 و 1400 بعد الميلاد، وفي الوقت الذي كانت فيه أوروبا تغط في سبات عميق في عصور الظلام المسماة بالعصور الوسطى، كان العلماء المسلمون قد"
(1) سيد قطب: في ظلال القرآن - (ج 6 / ص 91)
(2) نظمي لوقا: محمد في حياته الخاصة، ص 12.
(3) هربرت وايل: المعلم الأكبر، ص 17
(4) انظر: شاخت وبوزورت: تراث الإسلام 1/ 64 - 66.
(5) منصّر سابق، من غانا، بإفريقية الغربية، ولد لأبوين مسيحيين، وتلقى تعليمه في المدارس التنصيرية، ولما بلغ العشرين بدأ مهمته كمبشر متحمّس، لكنه عثر يومًا على كتاب عن الإسلام قدمه إليه أحد أصدقائه فاهتزّت قناعاته بالنصرانية، واستمر في طريق البحث عن الحق حتى خريف عام 1963 حيث أعلن إسلامه.
(6) انظر: عرفات كامل العشي: رجال ونساء أسلموا، 9/ 57 - 58.
(7) انظر: حكمت بشير ياسين، عناية السنة النبوية بحقوق الإنسان، 337
(8) انظر: حكمت بشير ياسين، عناية السنة النبوية بحقوق الإنسان، 337
(9) جوزيف شاخت: ولد عام 1902، وعين أستاذًا في عدد من الجامعات الألمانية (1927 - 1934) ، ومحاضرًا للدراسات الإسلامية في جامعة أكسفورد (1948) ، وليدن (1954) ، وكولومبيا (1957 - 1958) ، وقد اشتهر بدراسة التشريع الإسلامي وبيان نشأته وتطوره. من آثاره: (دين الإسلام) (1931) ، و (نشأة الفقه في الإسلام) (1950) ، و (خلاصة تاريخ الفقه الإسلامي) (1952) .
(10) انظر: شاخت وبوزورت: تراث الإسلام 3/ 9.