فهرس الكتاب

الصفحة 140 من 265

لقد حمل نبي الرحمة - صلى الله عليه وسلم - وأتباعه قيم الإسلام العليا ومثله السامية وأخذوا في نشرها في كل أرجاء الدنيا، دون إجبار الناس عليها، وبدأت عملية التفاعل بين الحضارة الإسلامية والحضارات الأوربية والمصرية والفارسية والهندية. فلم يلغ الإسلام الحضارة المصرية إنما جودها، ولم يلغ الإسلام حضارة الهند إنما هذبها، ونقى الحضارات من خبيث العقائد والأفكار، وجلى الطيب النافع من الموروثات والثقافات القديمة.

ومع مرور الزمن وانصرام القرون نتجت حضارة إسلامية جديدة أسهمت في إنضاجها مكونات حضارات الشعوب والأمم التي دخلت في الإسلام، فاغتنت الحضارة الإسلامية بكل ذلك عن طريق الحوار والتفاعل، وكانت هي بدورها فيما بعد عندما استيقظت أوروبا من سباتها وأخذت تستعد للنهوض مكونًا حضاريًا ذا بال أمدّ الحضارة الأوروبية الغربية بما تزخر به من علوم وقيم وعطاء حضاري متنوع [1] .

الشيء نفسه يمكن قوله عن الحضارة الغربية التي لم تظهر فجأة، بل تكونت خلال قرون كثيرة حتى بلغت أوجها في عصرنا الحاضر وذلك نتيجة التفاعل الحضاري مع حضارات أخرى هيلينية ورومانية وغيرها، وبفعل التراكم التاريخي وعمليات متفاعلة من التأثر والتأثير خلال التاريخ الإنساني الحديث. إن أكبر دليل على أن الحضارة الإسلامية لم تسع في أي وقت من الأوقات إلى التصادم مع الحضارة الغربية، هو أن العرب والمسلمين لم يضعوا في أي زمن من الأزمان صوب أهدافهم القضاء على خصوصيات الحضارة الغربية وهويتها الحضارية [2] .

المطلب الثالث: نماذج عملية من سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم:

إليك هذه النماذج الطيبة من سيرة النبي، والتي تبين كيف كان النبي يحاور الحضارات والأمم الأخرى، يدعوها إلى كلمة سواء.

فبعدما عقد النبي - صلى الله عليه وسلم - هدنة بينه وبين مشركي مكة الذين حاربوه على مدار ثمانية عشر عامًا ـ أو أكثر ـ، استغل النبي - صلى الله عليه وسلم - هذه الهدنة في مراسلة زعماء وأمراء وملوك العالم .. للحوار والتواصل والتعريف بدعوة الإسلام .. مركزًا في خطاباته على قيم السلام وحرية الاعتقاد، نرى ذلك جليًا في محتوى هذه الرسائل ..

هذا، ولنتأمل أحد هذه النماذج المشرقة، ولتكن رسالة النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى الملك المقوقس .. فكتب النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى جُرَيْج بن مَتَّي الملقب بالمُقَوْقِس ملك مصر والإسكندرية، رسالة نصها:

"بسم الله الرحمن الرحيم .. من محمد عبد الله ورسوله إلى المقوقس عظيم القبط .. سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت"

(1) انظر: حسن عزوزي: الإسلام وترسيخ ثقافة الحوار الحضاري، مجلة البلاغ، يناير 2007

(2) انظر: حسن عزوزي: الإسلام وترسيخ ثقافة الحوار الحضاري، مجلة البلاغ، يناير 2007

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت