ومساءً، يريدون ببذلهم وجه الله تعالى، لا يبتغون منصبًا أو جاهًا كما يبتغي غالبية السادة .. فقال الله تعالى: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [الكهف: 28] ، إن هؤلاء العبيد -في الشرع الإسلامي السمح- هم أعظم قيمة وأكثر بركة وأرق أفئدة وأطهر نفسًا، من هؤلاء السادة الذين يستعبدون الناس، ويتجبرون في الأرض بغير الحق .. هؤلاء العبيد نزل من أجلهم الأمر من السماء إلى رائد الدعوة - صلى الله عليه وسلم - بأن يضعهم في عينيه! بل نزل التحذير من الله لرسوله - صلى الله عليه وسلم - من أن يلتفت عن العبيد إلى زينة الكبراء، أو أن يتلهى عن العبد ويطيع السيد المارق.
أما العبيد فقد وجدوا الكرامة والحرية، في تعاليم الإسلام الإصلاحية، وفك رقابهم من طوق الفقر والذل، وخلصهم من عبادة الحجارة وسياط السادة. بل جعل منهم سادات المسلمين، حتى أُثر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه تعليقًا على حادثة شراء أبو بكر لبلال بن رباح رضي الله عنهما ليعتقه من الرق فقال:"سيدنا وأعتق سيدنا!".
ورغم جهود محمد - صلى الله عليه وسلم - في تحرير العبيد إلا أن بعض الحاقدين زعموا أن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - سن الاسترقاق!
ونحن نترك العلامة"لايتنر"يرد على هذه الفرية، فيقول:
".. إنا نرى الأغبياء من النصارى يؤاخذون دين الإسلام كأنه هو الذي قد سنّ الاسترقاق، مع أن محمدًا [- صلى الله عليه وسلم -] قد حضّ على عتق الرقاب، وهذه أسمى واسطة لإبطاله حقيقة" [1] ..
كذلك يتحدث الكاتب الفرنسي"فانسان مونتييه" [2] ، مستنكرًا هذه الشبيهة على أصحابها، فيقول:
"إنهم يتهمون الإسلام بظاهرة الرَقّ التي وُجِدَتْ قبل الإسلام وليس بعده، بل حين انتشر الإسلام وطُبقت تعاليمه كان يسعى لإلغاء الرّق، بل إن كثيرًا من الكفَّارات للذنوب التي يقدم عليها المرء هو تحرير الرقاب الذي عَدَّه الإسلام تقربًا وطاعة لله" [3] ..
ويتحدث كويليام [4] عن هذه الرويات التي اختلقها الحاقدون، وزعموا أن محمدًا - صلى الله عليه وسلم -، سن الإسترقاق والخناسة .. فيقول:
(1) لايتنر: دين الإسلام، ص 7.
(2) شغل منصب أستاذ اللغة العربية والتاريخ الإسلامي بجامعة باريس، وشغل منصب رئيس"مؤسسة الدراسات الإسلامية في"داكار"، وله عدة دراسات منها: كتاب"الإرهاب الصهيوني"،"والمسلمون في الاتحاد السوفيتي"، وكتاب"الإسلام في إفريقيا السوداء"، كما قد قام بترجمة ابن خلدون إلى الفرنسية."
(3) انظر: عرفات كامل العشي: رجال ونساء أسلموا، 231
(4) مفكر إنكليزي، ولد سنة 1856، وأسلم سنة 1887، وتلقب باسم: (الشيخ عبدالله
كويليام، ومن آثاره: (العقيدة الإسلامية) (1889) ، و (أحسن الأجوبة) .