فهرس الكتاب

الصفحة 54 من 265

وهو كتاب هداية عظيم للبشرية، وهو أبلغ منهج للهداية ..

يقول نصري سلهب [1] :

".. إن محمدًا [- صلى الله عليه وسلم -] كان أميًا لا يقرأ ولا يكتب. فإذا بهذا الأمي يهدي إلى الإنسانية أبلغ أثر مكتوب حلمت به الإنسانية منذ كانت الإنسانية- ذاك كان القرآن الكريم، الكتاب الذي أنزله الله على رسوله هدى للمتقين." [2] .

ولا شك أن أخلاق الرحمة هي عامل الجذب الإساس لدخول الناس في الإسلام، أو كما يقول يول [3] :"الإحسان والرحمة والنزعة الإنسانية الخيرة العريقة - هذه وغيرها من العوامل كانت بالنسبة لي أعظم دليل على صدق هذا الدين" [4] .. الأمر الذي يعبر عنه"بشير تشاد بقوله":"إن الإسلام هو دين الرحمة والحب والتعاطف الإنساني" [5] .

المطلب الثالث: عالمية الرحمة:

كذلك نستفيد من قول الله تعالى {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107] ، أن رحمة النبي رحمة شاملة وعامة وعالمية، وليست عنصرية تقوم على الأعراق أو الألوان أو المذاهب .. بل رحمة لكل البشر، رحمة عامة ومجردة للعالمين جميعًا، ليست رحمة للعرب دون العجم أو للمسلمين دون غيرهم، أو للشرق دون الغرب .. بل هي رحمة للعالمين ..

وفي ذلك تقول لورافيشيا فاغليري:"إن الآية القرآنية التي تشير إلى عالمية الإسلام بوصفه الدين الذي أنزله الله على نبيه [- صلى الله عليه وسلم -] (رحمة للعالمين) ، هي نداء مباشر للعالم كله. وهذا دليل ساطع على أن محمدًا [- صلى الله عليه وسلم -] شعر في يقين كلّي أن رسالته مقدر لها أن تعدو حدود الأمة العربية وأن عليه أن يبلغ (الكلمة) الجديدة إلى شعوب تنتسب إلى أجناس مختلفة، وتتكلم لغات مختلفة" [6] .

وعن أبي موسى - رضي الله عنه: أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول:"لن تؤمنوا حتى تراحموا!".

قالوا: يا رسول الله كلنا رحيم! قال:"إنه ليس برحمة أحدكم صاحبه ولكن رحمة العامة .. رحمة العامة!" [7] ..

فهي الرحمة بالعامة، أي بعامة البشر، ويجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك من شروط الإيمان، فلا يعد الرجل مؤمنًا حتى يرحم الناس بصفة عامة.

كما في حديث أنس بن مالك، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"والذي نفسي بيده، لا يضع الله رحمته إلا على رحيم"، قالوا: يا رسول الله، كلنا يرحم، قال:"ليس برحمة أحدكم صاحبه .. يرحم الناس كافة" [8] .

وعن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو قال:

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم:"الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا أَهْلَ الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ أَهْلُ السَّمَاءِ" [9] ..

فالرحمة بأهل الأرض تتجاوز الإنسان الناطق إلى الحيوان الأعجم، فالمؤمن يرحمه ويتقى الله فيه، ويعلم أنه مسؤول أمام الله عن هذه العجماوات [10] .

كما أن الرحمة بالخلق وأهل الأرض شرطٌ لنيل رحمة الخالق، بحسب عبارة الحديث:"ارْحَمُوا أَهْلَ الأرْضِ يَرْحَمْكُمْ أَهْلُ السّماءِ".

ومن ثم كانت رحمته إنسانية عامة، شملت المسلم وغير المسلم، والمؤمن والمنافق، والعربي وغير العربي، والشرقي وغير الشرقي، والأفريقي والأوربي، والكبير والصغير، والرجل والمرأة، والإنسان وغير الإنسان، والحيوان والطير والجماد. فهو يعتبر البشرية جميعها أسرة واحدة، تنتمي إلى رب واحد وإلى أب واحد وإلى أرض واحدة .. كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم:

"يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَلَا إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا لِأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلَّا بِالتَّقْوَى" [11] .

ومن ثم كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رحمة لكل الأمم، ولأمته خاصة، مهتمًا بأمرها، يخشى عليها من عذاب الله يوم القيامة، وقد كانت مشاعره جياشة في هذه المسألة، فذات مرة قرأ قول الله تعالى في القرآن على لسان عيسى: {إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [المائدة:

(1) باحث مسيحي لبناني، يتميز بنظرته الموضوعية نحو الإسلام، وعُرف بنشاطه الدؤوب لتحقيق التعايش السلمي بين الإسلام والمسيحية في لبنان .. ألقى العديد من المحاضرات في المناسبات الإسلامية والمسيحية على السواء، متوخيًا الهدف نفسه. من آثاره: (لقاء المسيحية والإسلام) (1970) ، و (في خطى محمد) (1970) .

(2) نصري سلهب: لقاء المسيحية والإسلام، ص 22

(3) علي يول: دانمركي، تعرف على الإسلام عام 1973 خلال إحدى رحلاته إلى المغرب، وبعد عدد من اللقاءات مع بعض المسلمين هناك أعلن انتماءه للإسلام، وهو الآن يعيش في كوبنهاجن العاصمة.

(4) انظر: عرفات كامل العشي: رجال ونساء أسلموا، 4/ 127.

(5) انظر: عرفات كامل العشي: رجال ونساء أسلموا، 7/ 21 - 22

(6) لورافيشيا فاغليري: دفاع عن الإسلام، ص 24 - 25

(7) حسن لغيره - رواه الحاكم في المستدرك، برقم 7418، ورواه الطبراني ورواته رواة الصحيح، وحسنه لغيره الألباني في صحيح الترغيب والترهيب

(8) صحيح - رواه أبو يعلى الموصلي 4145، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، برقم 167

(9) صحيح -رواه الحميدي، برقم 619، وأحمد برقم 6206، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، برقم 925

(10) انظر: يوسف القرضاوي: الإيمان والحياة، 283

(11) صحيح - رواه أحمد، برقم 22391، والطبراني في المعجم الأوسط برقم 4905، البيهقي برقم 4921، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة برقم 2700

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت