118]، ففاض ينبوع الرحمة، واهتز قلب النبي - صلى الله عليه وسلم - يناجي ربه في خشوع:"اللَّهُمَّ أُمَّتِي أُمَّتِي وَبَكَى .. !!".. وسرعان ما نزل الأمين جبريل مهدئًا من فزع محمد - صلى الله عليه وسلم - على أمته، ومبلغًا قائًلا: إن الله يقول لك:"إِنَّا سَنُرْضِيكَ فِي أُمَّتِكَ وَلَا نَسُوءُكَ" [1] .
وكان رحمة كذلك لغير المسلمين، بل وأشر الخلق، فكان رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يمارس هذه الرحمة مع شرار الناس، حتى يظن الفاجر أنه بخير!
وتأمل قول عمرو بن العاص- رضي الله عنه-:
"كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقبل بوجهه وحديثه على أشر القوم يتألفهم بذلك، فكان يقبل بوجهه وحديثه عليَّ حتى ظننت أني خير" [2] .
واستفاد غير المسلمين من رحمة النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ ولأن الله تعالى كان يهلك من قبل الأمم الكافرة بسبب كفرها وعصيانها للأنبياء هلاكًا جماعياًّ، بينما رفع الله تعالى بعد بعثة محمد هذا الهلاك الجماعي، فاستفاد الناس من خلاصهم من مثل هذا العذاب، فكان ذلك نعمة دنيوية بالنسبة للكفار. يخاطب الله تعالى نبيه في هذا الخصوص فيقول: {وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [الأنفال: 33]
وتأمل قدر النبي - صلى الله عليه وسلم - ومنزلته عند الله: أي طالما أنت تعيش بينهم فلن يعذبهم الله. طالما أن ذكرك موجود، وتلهج به الألسنة، وطالما أن الناس يتبعون طريقك فلن يعذبهم الله ولن يهلكهم [3] .
وكان رحمة للمنافقين أيضًا. فبسبب هذه الرحمة الواسعة لم يرَ المنافقون العذاب في الحياة الدنيا. فقد حضروا إلى المسجد واختلطوا بالمسلمين واستفادوا من كل الحقوق التي تمتع بها المسلمون. ولم يقم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بفضحهم وإفشاء أسرار نفاقهم أبدًا مع أنه كان يعرف دخائل نفوسهم ونفاقهم، حتى إنه أخبر حُذيفة رضي الله عنه بذلك [4] لذا، كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يراقب حُذيفة، فإن رآه لا يصلي على جنازة لم يصلها هو كذلك [5] ، دون إحداث ضجة أو تشهير بالمنافق الميت.
ومع ذلك فلم يهتك الإسلام سرهم، فبقوا بين المؤمنين، وانقلب كفرهم المطلق إلى ريبة وشك على الأقل، فلم يحرموا من لذائذ الدنيا؛ لأن الإنسان الذي يعتقد أنه سيفنى ويذهب إلى العدم لا يمكن أن يهنأ في عيشه، ولكن إن انقلب كفره إلى شك وشبهة فإنه يقول في نفسه:"ربما توجد هناك"
(1) صحيح - رواه مسلم، بَاب دُعَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأُمَّتِهِ وَبُكَائِهِ شَفَقَةً عَلَيْهِمْ، رقم 301
(2) حسن - رواه الترمذي في الشمائل المحمدية (295) ، وحسنه الألباني في مختصر الشمائل المحمدية
(3) انظر: محمد فتح الله كولن: النور الخالد محمد صلى الله عليه وسلم مفخرة الإنسانية، 2/ 69
(4) البخاري، فضائل أصحاب النبي، 20؛ ابن الأثير: أسد الغابة 1/ 468
(5) ابن الأثير: أسد الغابة 1/ 468