اليقينية، مثل: الشرك، و القتل، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات، و الزنا و شرب الخمر، والسرقة، وأكل المال العام، و شهادة الزور، ونحوها .. فهذه كلها ثابتة لا تلين للعصور، و لا يُتهاون فيها يومًا، فيفتي بحلها مجتهد، أو يرخص فيها حاكم [1] .
فما عدا هذه الحدود و الفرائض و المحرمات المنصوص عليها، فهي ـ كما سمها الهدي النبوي ـ:"مسكوت عنها"رحمة بالبشر ..
ويكلف الشرعُ علماء المسلمين أن يستغلوا هذه النعمة العظمى من المشرع - سبحانه وتعالى -؛ فعليهم أن يملئوا هذا الفراغ التشريعي بكل جديد ونافع يتفق مع مقاصد الشريعة الغراء!
وذلك من خلال طرائق ومسالك عديدة أقرها الشرع؛ مثل القياس بقيوده و شروطه .. و الاستحسان، .. والاستصلاح أو اعتبار المصلحة المرسلة؛ و هي التي لم يجيء نص خاص من الشارع ـ الحكيم ـ باعتبارها و لا بإلغائها .. و هناك اعتبار العرف بقيوده وشروطه ..
ثانيًا: المتشابهات:
فيما يتعلق بمنطقة النصوص المتشابهات، التي اقتضت حكمة الشارع أن تجعله هكذا محتملات، تتسع لأكثر من فهم، و أكثر من رأي، ما بين موسع و مضيق، و ما بين قياسي و ظاهري، و ما بين متشدد و مترخص، و ما بين واقعي و مفترض. و في كل هذا رحمة، وفسحة لمن أراد الموازنة و الترجيح، و أخذ أقرب الآراء إلى الصواب، وأولاها بتحقيق مقاصد الشريعة، فقد يصلح رأي أو مذهب لزمن و لا يصلح لآخر، أو يصلح لبيئة ولا يصلح لأخرى، أو يصلح لحال و لا يصلح لغيره [2] .
و بذلك يمكننا أخذ ما نراه أقرب إلى مقاصد الشرع الحنيف بالنظر إلى ظروف المجتمعات العصرية المتسارعة في التغير و التطوير .. إذًا شاء الله أن يكون من مصادر هذا الدين النص القطعي الراسخ الذي لا يقبل التجديد .. كما شاء - سبحانه - أن يكون بجوارها المصادر الاجتهادية التجديدية .. و الأدلة الظنية .. لتتسع دائرة النظر والترجيح.
هذا وصيانة الثابت في الشرع والحفاظ عليه واجب من الواحبات، تمامًا كما التجديد والاجتهاد في المرن مأمور به! وسوف نتناول الثابت وحفظه، و المرن و تجديده؛ من خلال ثلة من الأمثلة المتنوعة من سنة النبي - صلى الله عليه وسلم:
(1) انظر: يوسف القرضاوي: الخصائص العامة للإسلام، ص 224
(2) انظر: يوسف القرضاوي: الخصائص العامة للإسلام، ص 224