أولًا: يتمثل الثبات في رفضه - صلى الله عليه وسلم - التهاون أو التنازل في كل ما يتصل بتبليغ الوحي أو يتعلق بكليات الدين، و قيمه، وأسسه العقائدية والأخلاقية .. ومهما حاول المحاولون أن يُثنوا عنانه عن شيء من ذلك بالمساومات أو التهديدات، أو غير ذلك من أنواع التأثير على النفس البشرية، فموقفه هو الرفض الحاسم، الذي علمه إياه القرآن في مواقف شتى .. فحين عرض عليه المشركون أن يلتقوا في منتصف الطريق، فيقبل شيئًا من عبادتهم ويقبلوا شيئًا من عبادته؛ أن يعبد آلهتهم مدة، و يعبدوا إلهه مدة! كان الجواب الحاسم؛ من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحمله الوحي الصادق، في سورة قطعت كل المساومات و حسمت كل المفاوضات، و هي قوله تعالى: {قُلْ يَأَيّهَا الْكَافِرُونَ (1) لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (2) وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ (3) وَلاَ أَنَآ عَابِدٌ مّا عَبَدتّمْ (4) وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ (5) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} [سورة الكافرون] .
و هكذا تعلم - صلى الله عليه وسلم - من وحي الله: أن لا تنازل و لا تساهل في أمور العقيدة و ما يتصل بها. وفي مقابل ذلك؛ نجد مرونة واسعة في مواقف السياسة والتخطيط و مواجهة الأعداء؛ بما يتطلبه الموقف المعين، من حركة ووعي و تقدير لكل الجوانب والملابسات، دون تزمت أو جمود .. نجده في معركة الأحزاب (شوال 5 هـ\ مارس 627 م) .. مثلًا يأخذ برأي"سلمان الفارسي"- رضي الله عنه - في حفر الخندق حول المدينة، و يشاور بعض رؤساء الأنصار في إمكان إعطاء غطفان جزءًا من ثمار المدينة، ليردهم و يفرقهم عن حلفائهم، كسبًا للوقت إلى أن يتغير الموقف .. و يقول لـ"نعيم بن مسعود الأشجعي"- وقد أسلم و أراد الانضمام إلى المسلمين:"إنما أنت رجل واحد، فخذل عنا ما استطعت" [1] .. فيقوم الرجل بدور له شأنه في التفريق بين تحالف القبائل المحاربة للدولة الإسلامية .. وفي يوم الحديبية (في ذي القعدة 6 هـ مارس 628 م) تتجلى المرونة النبوية بأروع صورها .. تتجلى في قوله في ذلك اليوم:"و الله لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة يسألوني فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها" [2] . و في قبوله - صلى الله عليه وسلم - أن يكتب في عقد الصلح:"باسمك اللهم"بدل:"بسم الله الرحمن الرحيم" [3] .. وهي تسمية رفضتها قريش .. ! و في قبوله من الشروط ما في ظاهره إجحاف بالمسلمين، و إن كان عاقبته الخير .. كل الخير ..
و السر في هذه المرونة هنا، و التشدد في المواقف السابقة: أن المواقف الأولى تتعلق بالتنازل عن العقيدة و المبدأ، فلم يقبل فيها أي مساومة أو تساهل، و لم يتنازل قيد أنملة عن دعوته .. أما
(1) تاريخ ابن خلدون 2\ 440، والفصول في السيرة 1\ 163، ومختصر سيرة الرسول 1\ 131.
(2) صحيح ـ البخاري (2\ 974) و أبو داود (2\ 93) و أحمد (4\ 323) ، وابن حبان (16\ 211)
(3) ابن كثير: البداية و النهاية 4\ 175،وابن جرير: تاريخ الطبري 2\ 122، و مختصر سيرة الرسول