فقد رأى امرأة متلهفة على ولدها، تبحث عنه، فلما رأته، تلقفته، فألصقته ببطنها وأرضعته، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه:"أترون هذه طارحة ولدها في النار؟". قالوا: لا، وهي تقدر على أن لا تطرحه، فقال:"لله أرحم بعباده من هذه بولدها!" [1]
وقد اتصف وتخلَّق محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - بخلق ربه - سبحانه وتعالى - من أخلاق الرحمة والعفو، حتى زكاه ربه بها وأثنى عليه فقال: {قَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} [التوبة: الآية 128]
قال الله تعالى {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: الآية 107] .
هكذا قالها الله بإسلوب القصر، يعني النفي ثم الاستثناء، أي أنت لست إلا رحمة لست شيئا آخر غير الرحمة .. كما يقول النبي - صلى الله عليه وسلم -"أيها الناس .. إنما أنا رحمة مهداه" [2] .
فكما أن دعوة محمد - صلى الله عليه وسلم - للعالمين؛ فهذه الرسالة رحمة للعالمين جميعًا .. وهذا القرآن - الذي جاء فيه لفظ رحم ومشتقاته ثلاثمائة مرة [3] - رحمة للعالمين جميعًا .. رحمة في ذاته، ورحمة في تعاليمه، ورحمة في أحكامه ..
وفي ذلك يقول واشنجتون ايرفنج:"يدعو القرآن إلى الرحمة والصفاء وإلى مذاهب أخلاقية سامية" [4] .. كما أن القرآن - في رأي جاك ريسلر [5] -"يجد الحلول لجميع القضايا، ويربط ما بين القانون الديني والقانون الأخلاقي، ويسعى إلى خلق النظام، والوحدة الاجتماعية، وإلى تخفيف البؤس والقسوة والخرافات. إنه يسعى على الأخذ بيد المستضعفين، ويوصي بالبر، ويأمر بالرحمة" [6] .
وأوامره كما تقول"إلس ليختنستادتر" [7] "هي أوامر العدل للجميع، والرحمة بالضعيف والرفق والإحسان. وتلك هي الوسائل التي يضعها الله في يد الإنسان لتحقيق نجاته، فهو ثم مسؤول عن أعماله ومسؤول كذلك عن مصيره." [8] .
(1) صحيح - رواه البخاري، كتاب الأدب - باب: رحمة الولد وتقبيله ومعانقته / و أخرجه مسلم في التوبة، باب: في سعة رحمة الله تعالى وأنها سبقت غضبه، رقم: 2754.
(2) صحيح - رواه الحاكم في مستدركه عن أبي هريرة، والبيهقي، باب إنما أنا رحمة مهداة، برقم 61، ورواه ابن أبي شيبة عن ابي صالح 7\ 441، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، رقم 490
(3) انظر: أحمد عبد الرحمن إبراهيم: الفضائل الخلقية في الإسلام، 147
(4) واشنجتون ايرفنج: حياة محمد، ص 304
(5) جاك. س. ريسلر: باحث وكاتب فرنسي معاصر، وأستاذ بالمعهد الإسلامي بباريس. والحاصل على جائزة الأكاديمية الفرنسية، تقديرا لكتابه"الحضارة العربية"بوصفه دراسة أساسية لمعرفة الإسلام.
(6) جاك ريسلر: الحضارة العربية، ص 51.
(7) الدكتورة إلس ليختنستادتر: باحثة ألمانية، درست العلوم العربية والإسلامية في جامعة فرانكفورت، ثم في جامعة لندن، وأقامت زهاء ثلاثين سنة بين بلاد الشرقين الأدنى والأوسط، وعنيت عناية خاصة بدعوات الاجتهاد والتجديد والمقابلة بين المذاهب. من مؤلفاتها (الإسلام والعصر الحديث) .
(8) إلس ليختنستادتر: الإسلام والعصر الحديث، نقلًا عن: عباس محمود العقاد: ما يقال عن الإسلام، ص 19