وفي اليوم التاسع من ذي الحجة (يوم عرفة) في العام العاشر من الهجرة (6 مارس 632 م) وقد اجتمع حوله مئة ألف وأربعة وأربعون ألفًا من الناس، فقام فيهم خطيبًا، وألقى خطبة بلغية جامعة تضمنت أول إعلانٍ عامٍ لحقوق الإنسان عرفته البشرية، أعلن فيها الإخاء والمساواة والعدالة وحرمة الدماء والأموال وحقوق المرأة، ووضع تقاليد الجاهلية الفاسدة، فألغى دماء الجاهلية، والمعاملات الربوية والنعرات الجاهلية.
وأهدى للبشرية أعظم وأحكم وأجمل شريعة في التاريخ، تلك الشريعة التي تحدث عنها العلامة"شبرل" [1] - مبديًا فخره واعتزازه بالنبي محمد - صلى الله عليه وسلم - قائلًا:
"إن البشرية لتفتخر بانتساب رجل كمحمد [- صلى الله عليه وسلم -] إليها، إذ رغم أميته استطاع قبل بضعة عشر قرنًا؛ أن يأتي بتشريع سنكون نحن الأوربيين أسعد ما نكون؛ لو وصلنا إلى قمته بعد ألفي سنة" [2] .
وعاد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة، وسرعان ما أحس بالمرض ودنو الأجل.
وتُوفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم الإثنين الثاني عشر من شهر ربيع الأول عام 11 هـ (6 يونيو 632) وخلفه في حكم الدولة وزيره وصديقه الجليل أبو بكر الصديق، ثم عمر بن الخطاب ثم عثمان بن عفان ثم علي بن أبي طالب - رضي الله عنهم جميعًا -.
هذه لمحة سريعة جدًا من سيرة صاحب المعالي محمد - صلى الله عليه وسلم -، وهي غيض من فيض، كان لا بدَّ منها بين يدي الدراسة، ولتكون تميهدًا للحديث عن صفات النبي وشمائله وأخلاقه وخصائصه الدالة على الرحمة.
المبحث الثاني
محمد - صلى الله عليه وسلم - رَحْمَة للعالمين في أدبيات الغرب
المطلب الأول: شهادة إنجيل برنابا:
شهدت أدبيات الغرب وأشادت برحمة محمد - صلى الله عليه وسلم - للبشر، ويأتي على رأس هذه الأدبيات إنجيل برنابا الذي بشر برحمة محمد - صلى الله عليه وسلم - التي ينالها العالم عند قدومه من أرض الجنوب (الحجاز) .
فيقول إنجيل برنابا [3] :"سيأتي مسيا [أي محمد - صلى الله عليه وسلم -] المرسل من الله لكل العالم، .. وحينئذ يسجد لله في كل العالم، وتنال الرحمة .." [4] .
(1) عميد كلية الحقوق بجامعة"فيينا"،وقال هذه الجملة في مؤتمر الحقوق سنة 1927
(2) انظر: عبد الله ناصح علوان: معالم الحضارة في الإسلام وأثرها في النهضة الأوربية، ص 155
(3) يقول المستشرق سايل: إن مكتشف النسخة الإيطالية لإنجيل برنابا هو راهب لاتيني يسمى ..."مرينو"... واتفق أنه أصبح حينا من الدهر مقربا من البابا"سكتس الخامس"، فحدث يوما أنهما دخلا معا مكتبة البابا العتقية، فأخذ النوم هذا البابا، فأحب الراهب مرينو أن يقتل الوقت بالمطالعة إلى أن يفيق البابا، فكان الكتاب الأول الذي وضع يده عليه هو إنجيل القديس برنابا، فخبأ هذا الإنجيل في ثوبه، ولبث إلى أن إستفاق البابا فاستأذنه بالإنصراف حاملًا ذاك الكنز معه، فلما خلا بنفسه طالعه بشوق عظيم فاعتنق على إثر ذلك الإسلام. اهـ.
وبعد اكتشاف هذا الإنجيل، شاع خبره في بداية القرن الثامن عشر فأحدث دويًا كبيرًا، عند النصارى بشتى طوائفهم، وأجمعوا على محاربته وتكذيبه، بل إن هذا العداء توارثته أجيال النصارى جيلًا بعد جيل، بل قام أساقفة النصارى بتصنيف الردود على هذا الإنجيل الذي يبشر بشكل صريح جدًا بمحمد صلى الله عليه وسلم ..
(4) إنجيل برنابا، 82: 16 - 18