السبب الرابع: أن الدولة الإسلامية لم تكن تمتلك من الإمكانيات الاقتصادية والمالية بحيث تتمكن من كفالة هؤلاء العبيد بعد تحريرهم، أو حتى توفير فرص عمل لهم جميعًا، فمن المعروف أن العبيد كانوا في كفالة أسيادهم، يطعمون من مال السادة، ويحترفون لهم في مهنهم ..
إن المتأمل في التوجيهات النبوية يجدها تشي بالجهد الجهيد الذي بذله نبي الإنسانية في سبيل تحسين أوضاع العبيد والإماء ويعرف بحق كيف كانت مكرمة العبيد في الإسلام. وهذه بعض التوجيهات النبوية التي نذكر بعضًا منها على سبيل المثال لا الحصر.
أولًا: وصيته - صلى الله عليه وسلم - بالعبيد والإماء:
كان آخر كلمات النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يجود بروحه الشريفة، وقد حضره الموت، الوصية بالعبيد والإماء .. فعن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه قال: كان آخر كلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"الصلاة الصلاة، اتقوا الله فيما ملكت أيمانكم" [1] !
إنه يوصي بالعبيد، وهو في سكرات الموت! فهو الذي احتضنهم حيًّا، وأوصى بهم بعد مماته خيرًا، فكان خير معلم لهم وخير أب وخير محرر.
ثانيًا: تحذيره - صلى الله عليه وسلم - من إيذاء العبيد والإماء:
فكان يغضب أشد الغضب من ضرب العبيد أو إيذائهم، فعن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه، قال: كنت أضرب غلامًا لي؛ فسمعتُ مِنْ خَلْفِي صوتًا:"اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ .. لَلَّهُ أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَيْهِ"! فالتفتُ فإذا هو النبي! فقلت: يا رسول الله، هو حر لوجه الله تعالى. قَالَ:"أَمَا إِنَّكَ لَوْ لَمْ تَفْعَلْ لَلَفَعَتْكَ النَّارُ أَوْلَمَسَّتْكَ النَّارُ" [2] .
كذا كان رسول الله يربي تلاميذه، ويفقه شعبه، على احترام آدمية الناس، وخاصة الضعفاء منهم والعبيد والخدم والأجراء.
ويمتد هذا النداء الأبوي إلى حكام المسلمين في كل زمان ومكان؛ فيلزمهم بحماية العبيد من التعذيب أو الاضطهاد، فضلًا عن السعي الجاد لتحريرهم.
ثالثًا: أمره - صلى الله عليه وسلم - بالإحسان إلى العبيد
(1) صحيح - رواه أبو داود (2\ 761) برقم 5156، وأحمد (1\ 78) ، برقم 585، وصححه الألباني في الجامع الصغير (1\ 11) برقم 106
(2) صحيح - سنن أبي داود، برقم (4492) ، باب حق المملوك، وصححه الألباني في صحيح وضعيف سنن أبي داود، برقم 5159.