ومن أعاجيب المواقف التي تدل على سعة صدره ورحمته للمتعلمين، قصة الأعرابي الذي بال في المسجد .. فعن أنس - رضي الله عنه - قال: بينما نحن في المسجد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ جاء أعرابي [1] فقام يبول في المسجد وأصحاب الرسول - صلى الله عليه وسلم - يصيحون به: مه مه! (أي اترك) ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"لا تزرموه دعوه!" (لا تقطعوا عليه بولته) ، فترك الصحابة الأعرابي يقضي بوله، ثم دعا الرسول - صلى الله عليه وسلم - الأعرابي، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للأعرابي:"إن المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول والقذر؛ إنما هي لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن". وهنا قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لإصحابه:"إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين صبوا عليه دلوا من الماء". فقال الأعرابي: اللهم ارحمني ومحمدا ولا ترحم معنا أحدا!!! فقال الرسول - صلى الله عليه وسلم:"لقد تحجرت واسعًا، (أي ضيقت واسعًا) " [2] .
وهكذا نرى نبي الرحمة - صلى الله عليه وسلم - في مثل هذه المواقف، التي يغلب عليها الجانب التربوي السمح، لا الجو العسكري الصارم. وإن كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو"الرجل والمعلم والخطيب ورجل الدولة والمجاهد" [3] في آن واحد.
وأساليبه - صلى الله عليه وسلم - في الخطاب التربوي والتعليم، رحمة للمتعلمين، رحمة لكل من يستمع إليه ..
فتراه - صلى الله عليه وسلم - وهو يحدث الناس، يمهد لحديثه ليفهموه، ويكرر المعلومة ويوكدها ليعقلوها، ويضرب الأمثلة ليصل المعنى إلى السامعين، ويتخولهم بالموعظة مخافة الملل، ويرسم بيده على الأرض، ويستخدم أصابعه ممثلًا ... كل هذا رفقًا ورحمة بالمستمعين والمتعلمين [4] .
أولًا: التمهيد والتهيئة:
كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يمهد للمعلومة قبل إيصالها للمتعلم، بحيث يستوعبها السامع، بسهولة ويسر، ومثال ذلك:
1 -ما رواه أبو هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا .. ويرفع به الدرجات؟"قالوا: بلى يارسول الله قال:"إسباغ الوضوء على المكاره .. وكثرة الخطى إلى المساجد ... وانتظار الصلاة بعد الصلاة؛ فذلكم الرباط .. فذلكم الرباط ... فذلكم الرباط" [5] .
2 -وعن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"أتدرون من المفلس؟".
(1) هو ذو الخويصرة اليماني رضي الله عنه.
(2) متفقٌ عليه، صحيح البخاري، باب صب الماء على البول في المسجد، رقم 217
(3) هذه العبارة لفيليب حتي: الإسلام منهج حياة، ص 56
(4) انظر: سعيد رفعت راجح: الوسائط التعليمية في الأحاديث النبوية، بحث منشور على موقع alukah.net
(5) صحيح - رواه مسلم في كتاب الطهارة، باب فضل إسباغ الوضوء على المكاره، رقم 251