فهرس الكتاب

الصفحة 132 من 265

وقد شرع الإسلام الرخص لرفع الضيق المؤدي في الغالب إلى الحرج والمشقة لفقدان المصالح الضرورية. ورفع الحرج مقصد من مقاصد الشريعة وأصل من أصولها، فإن الشارع لم يكلف الناس بالتكاليف والواجبات لإعناتهم أو تحصيل المشقة عليهم. وقد دل على ذلك القرآن والسنة وانعقد الإجماع على ذلك. فمن القرآن قوله تعالى: {ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم} [المائدة:6]

وضرب القرآن مثالًا للرخصة في قوله تعالى: {فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [المائدة:3] ..

فمن ذلك الإفطار في السفر أيام رمضان، وقصر الصلاة المفروضة في السفر، فتصلي الصلاة الرباعية بركعتين فقط حال السفر. والمسح على الخفين في الوضوء، والتيمم بالتراب إذا فُقد الماء للوضوء أو إذا كان المسلم مريضًا .. كما في قوله تعالى: {وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مِّنكُم مِّن الْغَآئِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُوا مَاء فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا} [النساء: 43]

وفي الرخص الشرعية .. قال النبي - صلى الله عليه وسلم:"إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته" [1] .. وفي رواية:"كما يحب أن تؤتى عزائمه" [2] ..

المطلب الثاني: نماذج الرخص الشرعية:

عن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ - رضي الله عنه - قَالَ:

سَافَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إِلَى مَكَّةَ وَنَحْنُ صِيَامٌ، فَنَزَلْنَا مَنْزلًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم:"إِنَّكُمْ قَدْ دَنَوْتُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَالْفِطْرُ أَقْوَى لَكُمْ".

فَكَانَتْ رُخْصَةً .. فَمِنَّا مَنْ صَامَ وَمِنَّا مَنْ أَفْطَرَ، ثُمَّ نَزَلْنَا مَنْزِلًا آخَرَ فَقَالَ:"إِنَّكُمْ مُصَبِّحُو عَدُوِّكُمْ وَالْفِطْرُ أَقْوَى لَكُمْ".. فَأَفْطِرُوا [3] ..

و عَنْ أَنَسٍ - رضي الله عنه - قَالَ:

كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي سَفَرٍ فَصَامَ بَعْضٌ وَأَفْطَرَ بَعْضٌ، فَتَحَزَّمَ الْمُفْطِرُونَ وَعَمِلُوا، وَضَعُفَ الصُّوَّامُ عَنْ بَعْضِ الْعَمَلِ، فَقَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فِي ذَلِكَ:"ذَهَبَ الْمُفْطِرُونَ الْيَوْمَ بِالْأَجْرِ" [4]

(1) رواه أحمد عن ابن عمر، برقم 5600،وابن حبان، وقال شعيب الأرنؤوط: إسناده قوي، وقال الألباني في الإرواء (564) : صحيح

(2) رواية في المعجم الأوسط، للطبراني، برقم 8263 وصحيح ابن حبان وإسنادها قوي أيضًا. وقال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (1060) : صحيح.

(3) صحيح - رواه مسلم، بَاب أَجْرِ الْمُفْطِرِ فِي السَّفَرِ إِذَا تَوَلَّى الْعَمَلَ، رقم 1888

(4) صحيح - رواه مسلم، بَاب أَجْرِ الْمُفْطِرِ فِي السَّفَرِ إِذَا تَوَلَّى الْعَمَلَ، 1887

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت