الكريم، وإنها لتنفخ في الناس روح الكرم والسماحة، كما أنها إنسانية السمة ممكنة التنفيذ، فإنها خلقت جماعة إنسانية يقل ما فيها مما يغمر الدنيا من قسوة وظلم اجتماعي، عما في أي جماعة أخرى سبقتها" [1] ."
ويعلق العلامة إميل درمنغم، على هذه الرحلة العظيمة، وهذه الخطبة البليغة، قائلًا:
".. تجلت بهذه الرحلة الباهرة [حجة الوداع] ما وصلت إليه من العظمة والسؤدد رسالة ذلك النبي [- صلى الله عليه وسلم -] الذي أنهكه اضطهاد عشر سنين وحروب عشر سنين أخرى بلا انقطاع، وهو النبي الذي جعل من مختلف القبائل المتقاتلة على الدوام أمة واحدة .." [2]
وإلى جانب خطبة الوداع الجامعة هناك توجيهات وتعاليم أخرى للنبي - صلى الله عليه وسلم -، تعنى بحقوق الإنسان، لاسيما في مسألة الدماء:
فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قُتِلَ قَتِيلٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لا يُعْلَمُ قَاتِلُهُ، فَصَعِدَ مِنْبَرَهُ، فَقَالَ:"يَا أَيُّهَا النَّاسُ! أَيُقْتَلُ قَتِيلٌ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ لا يُعْلَمُ مَنْ قَتَلَهُ؟ لَوْ أَنَّ أَهْلَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ اجْتَمَعُوا عَلَى قَتْلِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَعَذَّبَهُمُ اللَّهُ بِلا عَدَدٍ وَلا حِسَاب" [3]
وعَنْ عُقْبَةَ بْنِ مَالِكٍ:
أَنَّ سَرِيَّةً لِرَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - غَشُوا أَهْلَ مَاءٍ صُبْحًا فَبَرَزَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْمَاءِ فَحَمَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ إِنِّي مُسْلِمٌ فَقَتَلَهُ، فَلَمَّا قَدِمُوا أَخْبَرُوا النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - بِذَلِكَ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - خَطِيبًا فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ:"أَمَّا بَعْدُ فَمَا بَالُ الْمُسْلِمِ يَقْتُلُ الرَّجُلَ وَهُوَ يَقُولُ إِنِّي مُسْلِمٌ"فَقَالَ الرَّجُلُ: إِنَّمَا قَالَهَا مُتَعَوِّذًا. فَصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَجْهَهُ وَمَدَّ يَدَهُ الْيُمْنَى فَقَالَ:"أَبَى اللَّهُ عَلَيَّ مَنْ قَتَلَ مُسْلِمًا"ثَلَاثَ مَرَّاتٍ [4] ..
و"مثل هذه الأقوال وهذه الأفعال ترينا في محمد [- صلى الله عليه وسلم -] أخا الإنسانية الرحيم، أخانا جميعًا الرؤوف الشفيق، وابن أمنا الأولى وأبينا الأول" [5] .
(1) هربرت جورج ولز: معالم تاريخ الإنسانية، 3/ 640 - 641
(2) اميل درمنغم: حياة محمد، ص 359
(3) رواه الطبراني في المعجم الكبير برقم 12513
(4) رواه أحمد في مسنده، برقم 16395
(5) هذه الجملة لتوماس كارلايل: الابطال، ص 84 - 85