و عن أنس بن مالك: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استخلف بن أم مكتوم على المدينة مرتين يصلي بهم وهو أعمى [1] .
وعن عائشة أن ابن أم مكتوم كان مؤذنا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو أعمى [2] .
وروى الزهري عن سعيد بن المسيب أن المسلمين كانوا إذا غزوا خلفوا زمناهم، وكانوا يسلمون إليهم مفاتيح أبوابهم، ويقولون لهم: قد أحللنا لكم أن تأكلوا مما في بيوتنا [3] .
وعن الحسن بن محمد قال: دخلت على أبي زيد الأنصاري فأذن وأقام وهو جالس قال: وتقدم رجل فصلى بنا، وكان أعرج أصيب رجله في سبيل الله تعالى [4] .
وهكذا كان المجتمع النبوي، يتضافر في مواساة ذوي الاحتياجات الخاصة، ويتعاون في تكريمهم، ويتحد في تشريفهم، وكل ذلك اقتضاءً بمنهج نبي الرحمة - صلى الله عليه وسلم - مع ذوي الاحتياجات الخاصة. .
وشرع الإسلام عيادة المرضى عامة، وأصحاب الإعاقات خاصة، وذلك للتخفيف من معاناتهم .. فالشخص المعاق أقرب إلى الإنطواء والعزلة والنظرة التشائمية، وأقرب من الأمراض النفسية مقارنة بالصحيح، ومن الخطأ إهمال المعاقين في المناسابات الاجتماعية، كالزيارات والزواج ..
وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعود المرضى، فيدعو لهم، ويطيب خاطرهم، ويبث في نفوسهم الثقة، وينشر على قلوبهم الفرح، ويرسم على وجوهه البهجة، وتجده ذات مرة يذهب إلى أحدهم في أطراف المدينة، خصيصًا، ليقضي له حاجة بسيطة، أو أن يصلي ركعات في بيت المتبتلى تلبية لرغبته .. فهذا عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ- وكان رجلًا كفيفًا من الأنصار- يقول للنبي - صلى الله عليه وسلم: إنها تكون الظلمة والسيل وأنا رجل ضرير البصر، وأنا أصلي لقومي فإذا كانت الأمطار سال الوادي الذي بيني وبينهم؛ لم أستطع أن آتي مسجدهم فأصلي بهم، ووددتُ يا رسول الله أنك تأتيني فتصلي في بيتي فأتخذه مصلى.
فوعده - صلى الله عليه وسلم - بزيارة وصلاة في بيته قائًلا:"سَأَفْعَلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ"..
قال عتبان فغدا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر حين ارتفع النهار فاستأذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأذنتُ له فلم يجلس حتى دخل البيت، ثم قال:"أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ مِنْ بَيْتِكَ"، فأشرتُ له إلى ناحية من البيت فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم -،فكبر فقمنا، فصفنا، فصلى ركعتين، ثم سلم [5] .
(1) صحيح - رواه أحمد، ح: 13023، وصححه الألباني في الإرواء ح: 530
(2) صحيح - رواه مسلم، كِتَاب الصَّلَاةِ، بَاب جَوَازِ أَذَانِ الْأَعْمَى إِذَا كَانَ مَعَهُ بَصِيرٌ، ح: 381
(3) تفسير الرازي، ج 11 / ص 374.
(4) رواه البيهقي (1/ 392) ، وقال الألباني: وهذا إسناد حسن إن شاء الله تعالى
(5) صحيح البخاري، كتاب الصلاة باب المساجد في البيوت، ح: (407) ، وانظر: ح (627) ، ومسلم، باب الرخصة في التخلف عن الجماعة بعذر، ح: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، ح: (1052)