"حاول أقوى أعداء الإسلام، وقد أعماهم الحقد، أن يرموا نبي الله [- صلى الله عليه وسلم -] ببعض التهم المفتراة. لقد نسوا أن محمدًا [- صلى الله عليه وسلم -] كان قبل أن يستهل رسالته، موضع الإجلال العظيم من مواطنيه بسبب أمانته وطهارة حياته. ومن العجب أن هؤلاء الناس لا يجشمون أنفسهم عناء التساؤل؛ كيف جاز أن يقوى محمد [- صلى الله عليه وسلم -] على تهديد الكاذبين والمرائين، في بعض آيات القرآن اللاسعة بنار الجحيم الأبدية، لو كان هو قبل ذلك رجلًا كاذبًا؟ كيف جرؤ على التبشير، على الرغم من إهانات مواطنيه، إذا لم يكن ثمة قوى داخلية تحثه- وهو الرجل ذو الفطرة البسيطة -حثًا موصولًا؟ كيف استطاع أن يستهل صراعًا كان يبدو يائسًا؟ كيف وفق إلى أن يواصل هذا الصراع أكثر من عشر سنوات، في مكة، في نجاح قليل جدًا، وفي أحزان لا تحصى، إذا لم يكن مؤمنًا إيمانًا عميقًا بصدق رسالته؟ كيف جاز أن يؤمن به هذا العدد الكبير من المسلمين النبلاء والأذكياء، وأن يؤازروه، ويدخلوا في الدين الجديد ويشدوا أنفسهم بالتالي إلى مجتمع مؤلف في كثرته من الأرقاء، والعتقاء، والفقراء المعدمين إذا لم يلمسوا في كلمته حرارة الصدق؟ ولسنا في حاجة إلى أن نقول أكثر من ذلك، فحتى بين الغربيين يكاد ينعقد الإجماع على أن صدق محمد [- صلى الله عليه وسلم -] كان عميقًا وأكيدًا" [1] ..
ويكشف المفكر البريطاني روم لاندو زيف المكذبين لنبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - بقوله:
"كانت مهمة محمد [- صلى الله عليه وسلم -] هائلة! كانت مهمة ليس في ميسور دجال تحدوه دوافع أنانية، وهو الوصف الذي رمى به بعض الكتاب الغربيين المبكرين محمد العربي [- صلى الله عليه وسلم -] ... إن الإخلاص الذي تكَّشف عنه محمد [- صلى الله عليه وسلم -] في أداء رسالته، وما كان لأتباعه من إيمان كامل في ما أُنزل عليه من وحي، واختبار الأجيال والقرون، كل أولئك يجعل من غير المعقول اتهام محمد [- صلى الله عليه وسلم -] بأيّ ضرب من الخداع المتعمد. ولم يعرف التاريخ قط أي تلفيق (ديني) متعمد استطاع أن يعمر طويلًا. والإسلام لم يعمر حتى الآن ما ينوف على ألف وثلاثمائة سنة وحسب، بل إنه لا يزال يكتسب، في كل عام أتباعًا جددًا. وصفحات التاريخ لا تقدم إلينا مثلًا واحدًا على محتال كان لرسالته الفضل في خلق إمبراطورية من إمبراطوريات العالم وحضارة من أكثر الحضارات نبلًا!" [2] .
المطلب الخامس: لمحة مختصرة عن سيرة محمد - صلى الله عليه وسلم:
أولًا: أول ما نزل عليه - صلى الله عليه وسلم:
كان أول ما بُدئ به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أمر النبوة الرؤيا الصادقة واستمر ذلك ستة أشهر، ثم أكرمه الله تعالى بالنبوة، فجاءه الملك جبريل - عله السلام - وهو في خلوته بغار حراء، وقرأ عليه النصف الأول من سور العلق: {اقْرَا بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَا وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5) } .
يقول المفكر البلجيكي جورج سارتون: و"صدع محمد [- صلى الله عليه وسلم -] بالدعوة نحو عام 610 م وعمره يوم ذاك أربعون سنة ... مثل إخوانه الأنبياء السابقين [عليهم السلام] .." [3] .
ثانيًا: إسلام العالم والكاتب النصراني ورقة بن نوفل:
فبعدما استمع للنصف الأول من سورة اقرأ من فم رسول الله - صلى الله عليه وسلم:
قال ورقة فورًا:"هذا الناموس الذي نزل الله به على موسى، يا ليتني فيها جذع، ليتني أكون حيًا إذ يخرجك قومك"، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم:"أومخرجي هم؟". قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا [4] ، وأسلم ورقة، ليسجِّل التاريخ أن أول رجل يصدِّقُ محمدًا ويعتنق دينه هو عالمٌ نصراني.
ثالًثا: أول من أسلم:
أمر الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - بتبليغ الدعوة سرًا لمدة ثلاث سنين، فدعا قومه إلى الإسلام، فحاز قصب السبق صديقه ووزيره أبو بكر، وزوجته خديجة، وابن عمه علي بن أبي طالب، وخادمه زيد من حارثه.
وهؤلاء نواة الإسلام، ومنهم انبثق الدين الإسلامي، وانتشر في الناس، وعم نوره في البقاع.
يقول رالف لنتون: و"اجتذب الوحي الذي نزل على محمد [- صلى الله عليه وسلم -] عددًا من الأتباع، وبدأ ينتشر بين الناس .." [5] .
رابعًا: إيذاء المسلمين:
لما دخل الناّسُ في دين الله واحدًا بعد واحدٍ، وكثر أتباع محمد - صلى الله عليه وسلم - فحينئذ ناصبه الوثنيون العداوة، فحمى الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - بعمه أبي طالب، لأنه كان شريفًا معظمًا في قومه .. وأما أصحابه فمن كان له عشيرة تحميه امتنع بعشيرته، وسائرهم صَبَّ عليهم المشركون العذاب صبًَّا، وفتنوهم عن دينهم فتونًا، منهم بلال بن رباح العبد الأثيوبي وعمار بن ياسر، وأمه سمية وأهل بيته الذين عُذِّبوا في الله عذابًا شديدًا، حتى قضى ياسر نحبه، ومرَّ أبو جهل بسمية - أم عمار - وهي تُعذب، فطعنها بحربة في فرجها فقتلها.
(1) لورافيشيا فاغليري: دفاع عن الإسلام، ص 37، 38.
(2) انظر: أرنولد توينبي: الإسلام والعرب والمستقبل، ص 33، 34.
(3) جورج سارتون: الثقافة الغربية في رعاية الشرق الأوسط، ص 29، 30،31
(4) صحيح - رواه البخاري، بدء الوحي، باب: كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم، برقم 3
(5) رالف لنتون: شجرة الحضارة، 1/ 341.