ويبدو أن بعض الصحابة ظن أن الموضوع انتهى إلى ذلك الحد! لكن أيترك الخائنون العملاء الناكثون للعهود دون محاسبة؟ فنادى النبي - صلى الله عليه وسلم - في المسلمين"ألا .. لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة!" [1] ، فسار الجيش الإسلامي إلى فصيل الفتنة والخيانة، وتبعهم النبي - صلى الله عليه وسلم - القائد العام - بعد أن استخلف على المدينة - نائبًا عنه -عبد الله بن أم مكتوم، وحاصر المسلمون بني قريظة شهرًا تقريبًا، ولما طال عليهم الحصار .. ورفض النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا أن يستسلموا دون قيد أو شرط، واستسلم بنو قريظة، ونزلوا على حكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فوكل - صلى الله عليه وسلم - الحكم فيهم إلى سعد بن معاذ- قائد الأوس - .. وفي اختيار سعد دلالة على حكمة النبي - صلى الله عليه وسلم - وبُعد نظره، وإدراكه لنفسيات يهود قريظة، لأن سعدًا كان حليف بني قريظة في الجاهلية، وقد ارتاح اليهود لهذا الاختيار، وظنوا أن الرجل قد يحابيهم في حكمه، لكن سعدًا نظر إلى الموقف من جميع جوانبه. وقدره تقدير من عاش أحداثه وظروفه.
وبعد أن أخذ سعد - رضي الله عنه - المواثيق على الطرفين أن يرضى كل منهما بحكمه. أعلن حكمه بالإعدام على الخونة، قائلًا:"فَإِنّي أَحْكُمُ فِيهِمْ أَنْ يُقْتَلَ الرّجَالُ وَتُسْبَى الذّرّيّةُ وَتُقْسَمَ الأمْوَالُ"، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مؤيدًا هذا الحكم:"لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللّهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ" [2] ..
فسيقوا إلى خنادق في المدينة، فُقتل رجالهم وُسبي نساؤهم وذراريهم. ولاقى بنو قريظة هذا المصير على هذه الخيانة.
وهنا يحلو للبعض أن يتطاولوا على تصرف النبي - صلى الله عليه وسلم - ومعاملته لبني قريظة، ويعتبروا أن الإعدام الجماعي الذي تم لهؤلاء الناس يتسم بالقسوة والوحشية والإجرام ... الخ ..
ونرد على مثل هذه الآراء ونقول:
أولًا: ماذا لو أن نتيجة غزوة الأحزاب تمت حسبمًا كان يخطط لها بنو قريظة وأحزابهم؟ ألم تكن هي الإبادة التامة للمسلمين أجمعين. على أن اليهود لم يقدِموا على هذا العمل الخسيس إلا بعد أن تكون لديهم ما يشبه اليقين بأنهم- بمساعدة المشركين- سوف يقومون بتدمير الكيان الإسلامي تدميرًا كاملًا، واستئصال شأفة المسلمين استئصالًا كليًا - كما ورد في كتبهم إذا ظهروا على شعب من الشعوب - ولهذا لم يترددوا في الغدر بحلفائهم المسلمين وعلى تلك الصورة البشعة [3] .
(1) انظر: ابن سيد الناس: عيون الأثر 2\ 50
(2) ابن القيم: زاد المعاد 3/ 117، و ابن سيد الناس: عيون الأثر 2/ 54، وابن هشام 2/ 240
(3) انظر: جمعة علي الخولي: معاملة الرسول صلى الله عليه وسلم لبني قريظة، والرد على ما يثار حولها من شبهات، مجلة جامعة الإمام محمد بن سعود، العدد 57،