وحين أقبل بالأسارى - بعد بدر - فرقهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بين أصحابه وقال:
"استوصوا بهم خيرًا" [1] ..
وبهذه التوصية النبوية الرفيعة، تحقق في هذا الجيل الإسلامي الفضيل قول الله تعالى:
{وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا} [2] .
وهذا أبو عزيز بن عمير أخو مصعب بن عمير يحدثنا عما رأى. قال: كنت في الأسرى يوم بدر [3] ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"اسْتَوْصُوا بِالْأُسَارَى خَيْرًا" [4] . وكُنْتُ فِي رَهْطٍ مِنْ الْأَنْصَارِ حِينَ أَقْبَلُوا بِي مِنْ بَدْرٍ فَكَانُوا إذَا قَدّمُوا غَدَاءَهُمْ وَعَشَاءَهُمْ خَصّونِي بِالْخُبْزِ وَأَكَلُوا التّمْرَ لِوَصِيّةِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إيّاهُمْ بِنَا، مَا تَقَعُ فِي يَدِ رَجُلٍ مِنْهُمْ كِسْرَةُ خُبْزٍ إلّا نَفَحَنِي بِهَا. قَالَ فَأَسْتَحْيِيَ فَأَرُدّهَا عَلَى أَحَدِهِمْ فَيَرُدّهَا عَلَيّ ما يَمَسّهَا [5] .
ويقول جابر بن عبدالله رضي الله عنه:"لما كان يوم بدر أُتي بالعباس ولم يكن عليه ثوب، فنظر النبي - صلى الله عليه وسلم - له قميصًا فوجدوا قميص عبدالله بن أُبي يقدر عليه فكساه النبي - صلى الله عليه وسلم - إياه" [6]
وهذا أَبُو الْعَاصِ بْنُ الرّبِيعِ يحدثنا قال: كنت في رهط من الأنصار [7] - جزاهم الله خيرًا -، كنا إذا تعشينا أو تغدينا آثروني بالخبز وأكلوا التمر، والخبز معهم قليل، والتمر زادهم، حتى إن الرجل لتقع في يده كسرة فيدفعها إليَّ، وكان الوليد بن الوليد بن المغيرة يقول مثل ذلك ويزيد: وكانوا يحملوننا ويمشون [8] .
وقد كان أَبُو الْعَاصِ بْنُ الرّبِيعِ في الأسارى، وختن رسول الله - صلى الله عليه وسلم-، وزوج ابنته زينب، أسره خِرَاشُ بْنُ الصّمّةَ، فلما بعثت قريش فداء الأسرى بعثت زينب بنت رسول الله -صلى الله عليه وسلم -في فداء أبي العاص وأخيه عمرو بن الربيع بقلادة لإمها خديجة، فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم رق لها رقة شديدة، وقال:"إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا عليها مالها فافعلوا"، فقالوا: نعم يا رسول الله، فأطلقوه وردوا عليها الذي لها [9] .
(1) ابن كثير: البداية والنهاية، 3\ 307
(2) سورة الإنسان: الآية 8
(3) أيام كان على غير الإسلام، وكان في جيش المشركين.
(4) ابن هشام (1 / ص 644)
(5) ابن هشام (1 / ص 644) ، وابن سيد الناس: عيون الأثر 1\ 393
(6) البخاري (2846) وانظر: ابن حجر العسقلاني- فتح الباري 6/ 144
(7) قبل إسلامه، أيام كان في جيش قريش، وأسره الصحابه في معركة بدر.
(8) انظر: الواقدي: المغازي 1/ 119.
(9) سبل الهدى والرشاد - (ج 4 / ص 71)