اللوريانية على وجه الخصوص، وأكدت مفهوم التوحد مع الإله والالتصاق به (دبفيتوت) . ولكن الحسيدية، شأنها شأن كثير من الحركات الصوفية، تحولت بالتدريج إلى بيروقراطية دينية.
وتحول التساديك إلى وسيط، وظهرت أسر الحسيديين الحاكمة التي توارث أعضاؤها القداسة، ولكن العامل الأساسي الذي قضى على القبالاه وعلى التصوف الحلولى اليهودي هو ظهور العالم الحديث وحركة التنوير.
والصهيونية وريثة التراث القبالي في بنيتها، فكما أن الحميدية كانت هي الأخرى حركة مشيحانية كامنة ساكنة بدون ماشيح، فإن الصهيونية تحولت إلى مشيحانية نشيطة (بدون ماشيح أيضأ) إذ يؤكد الصهاينة عملية خلاص الشعب اليهودي الذي يأخذ شكل عودة إلى صهيون دون انتظار الماشيح (أي شكل التعجيل بالنهاية) .
والصهيونية، في نهاية الأمر، هي التعبير عن الطبقة الحلولية داخل التركيب الجيولوجي التراكمي اليهودي، وهي طبقة عبرت عن نفسها في بداية الأمر من خلال رؤية حلولية تبشر بالخلاص القومي وترابط الثالثوث الحلولى (الإله والشعب والأرض) ثم توارت قليلا نتيجة القضاء على السلطة المركزية اليهودية فعبرت عن نفسها بشكل فردي من خلال القالاء (التأملية والعملية وهي تعود إلى سابق عهدها في العصر الحديث، حيث يصبح الخلاص مرة أخرى خلاصة قوميا ويصبح التأمل للأيديولوجيا الصهيونية التي تستعيد تداخل النسبي والمطلق، وتؤكد ارتباط الشعب بالأرض نتيجة الحلول الإلهي أو سريان روحه المقدسة، والقبالاه العملية في الاستيلاء على الأرض ونقل اليهود إلى فلسطين(ونقل العرب منها) وتصبح الدولة الهيكل الذي يتعبد فيه الصهاينة ويهود العالم ويقدمون له القرابين (فهى استعادة للعبادة القربانية المركزية) .
وعلى كل، فالنمط الصهيوني ليس مختلفة عن الأنماط القومية العلمانية التي انتشرت في أوروبا ابتداء من عصر الملكيات المطلقة حين حول الملك نفسه إلى مطلق، ثم حولت الدولة نفسها إلى مطلق واحد أحد يدين له الجميع بالولاء، فهي محط الحلول الإلهي أو هي التعبير عن الحلولية بدون إله
وهدف هذه الدولة هو التحكم الإمبريالي في كل مواطني الدولة وشعوب الأرض من طريق عمليات ترشيدهم (في إطار مادي) من خلال المؤسسات التربوية والأمنية