فهرس الكتاب

الصفحة 2327 من 2444

الله تعالى فإذا بلغ النيل نهايته أمر الله تعالى كل ماء أن يرجع إلى عنصره ولذلك جميع مياه الأرض تقل أيام زيادته وذكر عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم قال لما فتح المسلمون مصر جاء أهلها إلى عمرو بن العاص حين دخل بؤونه من شهور القبط فقالوا أيها الأمير إن لبلدنا هذا سنة لا يجري النيل إلا بها وذلك أنه إذا كان لاثنتي عشرة ليلة تخلو من هذا الشهر عمدنا إلى جارية بكر بين أبويها فأرضينا أبويها وجعلنا عليها من الحلي والثياب أفضل ما يكون ثم ألقيناها في هذا النيل فقال لهم عمرو إن هذا لا يكون في الإسلام وإن الإسلام يهدم ما قبله فأقاموا بؤونه وأبيب ومسرى لا يجري النيل قليلا ولا كثيرا حتى هموا بالجلاء فلما رأى عمرو ذلك كتب إلى عمر بن الخطاب بذلك فكتب إليه عمر قد أصبت إن الإسلام يهدم ما قبله وقد بعثت إليك ببطاقة فألقها في داخل النيل إذا أتاك كتابي هذا وإذا في كتابه بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله عمر بن الخطاب أمير المؤمنين إلى نيل مصر أما بعد فإن كنت تجري من قبلك فلا تجر وإن كان الواحد القهار يجريك فنسأل الله الواحد القهار أن يجريك قال فألقى عمرو بن العاص البطاقة في النيل وذلك قبل عيد الصليب بيوم وكان أهل مصر قد تأهبوا للخروج منها والجلاء لأنهم لا تقوم مصلحتهم إلا بالنيل فأصبحوا يوم الصليب وقد جرى النيل بقدرة الله تعالى وزاد ستة عشر ذراعا في ليلة واحدة وانقطعت تلك السنة السيئة عن أهل مصر وكان للنيل سبعة خلجان خليج الإسكندرية وخليج دمياط وخليج منف وخليج المنهي وخليج الفيوم وخليج عرشي وخليج سردوس وهي متصلة الجريان لا ينقطع منها شيء والزروع بين هذه الخلجان متصلة من أول مصر إلى آخرها وزروع مصر كلها تروى من ستة عشر ذراعا بما قدروا ودبروا من قناطرها وجسورها وخلجها فإذا استوى الماء كما ذكرناه في المقياس من هذا الكتاب أطلق حتى يملأ أرض مصر فتبقى تلك الأراضي كالبحر الذي لم يفارقه الماء قط والقرى بينه يمشي إليها على سكور مهيأة والسفن تخترق ذلك فإذا استوفت المياه ورويت الأرضون أخذ ينقص في أول الخريف وقد دبر الهواء وانكسر الحر فكلما نقص الماء عن أرض زرعت أصناف الزروع واكتفت بتلك الشربة لأنه كلما تأخر الوقت برد الجو فلا تنشف الأرض إلى أن يستكمل الزرع فإذا استكمل عاد الوقت يأخذ في الحر والصيف حتى ينضج الزروع وينشفها ويكملها فلا يأتي الصيف إلا وقد استقام أمرها فأخذوا في حصادها وفي ذلك عبرة وآية ودليل على قدرة العزيز الحكيم الذي خلق الأشياء في أحسن تقويم وقد قال عز من قائل ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت وفي النيل عجائب كثيرة وله خصائص لا توجد في غيره من الأنهار وأما أصل مجراه فيذكر أنه يأتي من بلاد الزنج فيمر بأرض الحبشة مسامتا لبحر اليمن من جهة أرض الحبشة حتى ينتهي إلى بلاد النوبة من جانبها الغربي والبجه من جانبها الشرقي فلا يزال جاريا بين جبلين بينهما قرى وبلدان والراكب فيه يرى الجبلين عن يمينه وشماله وهو بينهما بإزاء الصعيد حتى يصب في البحر وأما سبب زيادته في الصيف فإن المطر يكثر بأرض الزنجبار وتلك البلاد في هذه الأوقات بحيث ينزل الغيث عندهم كأفواه القرب وتنصب المدود إلى هذا النهر من سائر الجهات فإلى أن يصل إلى مصر ويقطع تلك المفاوز يكون القيظ ووجه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت