فهرس الكتاب

الصفحة 91 من 2444

كما فعلوا بأسماء الشهور فإنهم سموا كل شهر بما اتفق به فصله من حر أو برد فسقط جمادى في شدة البرد وجمود المياه والربيعان في أيام الصيف وصفر حيث صفرت الأرض من الخيرات وكانت تسميتها لذلك في أزمنة متباعدة ولم يكن في عام واحد متوال ولو كان في عام واحد كان من المحال أن يجيء جمادى وهم يريدون به جمود الماء وشدة البرد بعد الربيع ثم تغيرت الأزمنة ولزمها ذلك الاسم وإربل قلعة حصينة ومدينة كبيرة في فضاء من الأرض واسع بسيط ولقلعتها خندق عميق وهي في طرف من المدينة وسور المدينة ينقطع في نصفها وهي على تل عال من التراب عظيم واسع الرأس وفي هذه القلعة أسواق ومنازل للرعية وجامع للصلاة وهي شبيهة بقلعة حلب إلا أنها أكبر وأوسع رقعة

وطول إربل تسع وستون درجة ونصف وعرضها خمس وثلاثون درجة ونصف وثلث وهي بين الزابين تعد من أعمال الموصل وبينهما مسيرة يومين

وفي ربض هذه القلعة في عصرنا هذا مدينة كبيرة عريضة طويلة قام بعمارتها وبناء سورها وعمارة أسواقها وقيسارياتها الأمير مظفر الدين كوكبرى بن زين الدين كوجك علي فأقام بها وقامت بمقامه بها لها سوق وصار له هيبة وقاوم الملوك ونابذهم بشهامته وكثرة تجربته حتى هابوه فانحفظ بذلك أطرافه وقصدها الغرباء وقطنها كثير منهم حتى صارت مصرا كبيرا من الأمصار

وطباع هذا الأمير مختلفة متضادة فإنه كثير الظلم عسوف بالرعية راغب في أخذ الأموال من غير وجهها وهو مع ذلك مفضل على الفقراء كثير الصدقات على الغرباء يسير الأموال الجمة الوافرة يستفك بها الأسارى من أيدي الكفار وفي ذلك يقول الشاعر كساعية للخير من كسب فرجها لك الويل لا تزني ولا تتصدقي ومع سعة هذه المدينة فبنيانها وطباعها بالقرى أشبه منها بالمدن وأكثر أهلها أكراد قد استعربوا وجميع رساتيقها وفلاحيها وما ينضاف إليها أكراد وينضم إلى ولايتها عدة قلاع وبينها وبين بغداد مسيرة سبعة أيام للقوافل وليس حولها بستان ولا فيها نهر جار على وجه الأرض وأكثر زروعها على القني المستنبطة تحت الأرض وشربهم من آبارهم العذبة الطيبة المريئة التي لا فرق بين مائها وماء دجلة في العذوبة والخفة وفواكهها تجلب من جبال تجاورها ودخلتها فلم أر فيها من ينسب إلى فضل غير أبي البركات المبارك بن أحمد بن المبارك بن موهوب ابن غنيمة بن غالب يعرف بالمستوفي فإنه متحقق بالأدب محب لأهله مفضل عليهم وله دين واتصال بالسلطان وخلة شبيهة بالوزارة وقد سمع الحديث الكثير ممن قدم عليهم إربل وألف كتبا وقد أنشدني من شعره وكتب لي بخطه عدة قطع منها تذكرنيك الريح مرت عليلة على الروض مطلولا وقد وضح الفجر وما بعدت دار ولا شط منزل إذا نحن أدنتنا الأماني والذكر وقد كان اشتهر شعر نوشروان البغدادي المعروف بشيطان العراق الضرير فيها سالكا طريق الهزل راكبا سنن الفكاهة موردا ألفاظ البغداديين والأكراد ثم إقلاعه عن ذلك والرجوع عنه ومدحه لإربل وتكذيبه نفسه وأنا أورد مختار

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت