الأولى من المستصفى أن قرر أن علم أصول الفقه علم عقلي ونقلي في نفس الوقت، وجعله لذلك من أشرف العلوم، وذلك بقوله: وأشرف العلوم ما ازدوج فيه العقل والسمع، واصطحب فيه الرأي والشرع، وعلم أصول الفقه من هذا القبيل 1، إلا أنه بعد صفحات قليلة - يصنفه في أعلى قائمة العلوم الدينية، فهل هذا لمجرد سهو أم أنه تناقض لم ينتبه إليه؟
و إذا كان الغزالي في كتاب «المستصفى» قد رتب علم الكلام على رأس العلوم الدينية وجعل علم الأصول فرعا عنه، فقد سبق له في كتاب «المنخول من تعليقات الأصول» أن جعل كلاّ من علم الكلام، والأصول، والفقه في مرتبة واحدة، بحيث اعتبر أن «علوم الشرع ثلاثة: الكلام، والأصول والفقه» 2.
و يمكن اعتبار هذا القول من الغزالي - في المنخول - دالا على مرحلة في تطور استقلاله وتكوينه الفكري، حيث كان المنخول مجرد تلخيص وتهذيب قام به الغزالي لدروس أستاذه الجويني، ولعل ذلك كان في مرحلة الطلب حيث لم تتبلور شخصيته الفكرية المستقلة بعد، وهذا ما عبّر عنه الغزالي نفسه عند اختتامه للكتاب، حيث أوضح أنه اقتصر فيه «على ما ذكره إمام الحرمين رحمه اللّه في تعاليقه، من غير تبديل وتزييد في المعنى وتعليل، سوى تكلف في تهذيب كل كتاب بتقسيم فصول، وتبويب أبواب» .
أما ما يؤكد أن هذا العمل كان في مرحلة الطلب والدراسة، فقد كفانا الغزالي توضيحه، حيث قرر أن الغرض من الكتاب كان «روما لتسهيل المطالعة عند مسيس الحاجة إلى المراجعة» 3.
كما أن «المنخول» جاء خلوا من المقدمات الكلامية والمنطقية الطويلة كتلك التي جاءت في مقدمة «المستصفى» بعد أن تبلورت رؤيته المستقلة للأمور، واكتملت شخصيته العلمية، ويكفي للتدليل على هذا القول عنوانا كل من الكتابين: فالأول