سيعالج هذا الفصل - بمباحثه وفقراته ونقاطه الفرعية - مناهج الاستنباط قبل تدوين أصول الفقه، والمخاض الذي سبق هذا التدوين، والملابسات التي رافقته، والتطورات التي لحقته.
المبحث الأول: مناهج الاستنباط قبل تدوين أصول الفقه
بعد وفاة الرسول صلّى اللّه عليه وسلم، بدأت مرحلة جديدة في استنباط الأحكام الفقهية، وفي هذه المرحلة لا يمكننا أبدا أن نتحدث عن علم منهجي اسمه «أصول الفقه» ، ولكن يمكننا بكل اطمئنان أن نتحدث عن مناهج للاستنباط، فأمام الأقضية الجديدة التي ظهرت في حياة المسلمين، وجد الصحابة الكرام أنفسهم، وهم في موقع المسؤولية، وعلى رأسهم الخلفاء الراشدون، في حاجة ماسة إلى الاجتهاد لاستنباط أحكام شرعية تستوعب هذه الأقضية التي أفرزها تطور المجتمع الإسلامي، ولم يكن الصحابة يصدرون عن فراغ أو ينطلقون من الصفر، بل لقد كان لفقهائهم سابق تجربة في الاجتهاد، زمن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم، حيث تتلمذوا عليه وأذن لهم في الاجتهاد بحضرته، وقد نقل فقهاء الصحابة هذا النموذج التعليمي إلى تلامذتهم من التابعين، ونقله هؤلاء إلى تلامذتهم من كبار الفقهاء المجتهدين، وهذا ما سنحاول رصده من خلال المباحث الآتية: