بعض هذه الأصول والمناهج إثباتا أو نفيا: مثل إبطال الاستحسان، وحجية السنّة في كتابه «جماع العلم» ويبين من خلال كل ذلك مناهجه ومصادره المعتمدة ...
فلقد أينعت زهرات الأصول إذن، وما عادت بحاجة إلا إلى يد حانية ماهرة مقتدرة تقطفها بلا ضير، وتجمعها في باقة زاهية تسر الناظرين، فمن هذه اليد إذن؟
لم يعرف عن علم من العلوم أنه نشأ واكتمل بين عشية وضحاها، فشأن العلوم كشأن الإنسان، أبد الدهر، يغدو جنينا فوليدا، ثم صبيا ضعيفا، ثم شابا يافعا، ثم امرأ مكتملا، ثم يبدأ في الانحدار كهلا، فشيخا عجوزا، حتى يدركه قدر اللّه، فإما ينبعث بعد، وإما إلى مشيئة من اللّه غالبة.
فمن سنة الحياة والمعرفة، في عامة الحياة وخاصتها، أنه ما من خير مطلق ظهر في الناس، إلا وتسابق المدعون باصطناعه والسبق إلى ابتكاره، وهذا شأن علم الأصول، فكل يريد أن يحوز ذووه قصب السبق إلى تدوينه وجمع شتاته:
و كل يدّعي وصلا بليلىو ليلى لا تقر لهم بذاكا ثم عودا على لغة العلم الصارمة، للتقرير بأن علم الأصول قبل التدوين، كانت جل مباحثه متداولة أو مدون بعضها دون بعض، ولكنها كانت بحاجة إلى من يلم شعثها ويجمع شتاتها.
فقد كان الفقهاء والعلماء يعرفون الخصوص والعموم، والناسخ والمنسوخ، وكانت لهم ضوابط وأصول للاجتهاد والاستنباط يتفقون في بعضها كالقرآن والسنّة، ويختلفون في تفاصيل بعضها مع اتفاقهم على الأصل كاتفاقهم على أصل الإجماع واختلافهم في أهله ومداه، أهو إجماع الصحابة فحسب، أم إجماع غيرهم من أهل العلم في الأمة؟ واختلافهم في البعض