فلا حاجة إلى التذكير بكون الصحابة والتابعين، ومن بعدهم كبار الفقهاء، كانوا على «دراية وافية ببعض الضوابط والقواعد التي أخذوا بها أنفسهم في استنباط الأحكام» ، رغم أنهم لم يكونوا يطلقون عليها أسماء اصطلاحية أو عناوين فنية وإنما «كانت تجري منهم مجرى السجية والطبيعة والملكة الفطرية» 1.
و كان من الممكن لكل من بذل مجهودا علميا فقهيا أصوليا، أن يستخرج هذه القواعد والضوابط ويضع لها مصطلحات أصولية مناسبة، وهو ما عبر عنه الثعالبي بقوله: «من شاء أن يستخرج ذلك بنوع تكلف فليس ببعيد الوجود» 2.
و الخلاصة أن تدوين علم الأصول جاء ثمرة طبيعية لما سبقه من جهد وعمل، وبمعنى آخر إن التدوين جاء عند الحاجة إليه، مع إرهاصات سابقة ممهدة، بل إن تأخر التدوين في حد ذاته ينظر إليه على أنه أمر طبيعي، ذلك أن «تراخي التنظير في الفقه كان ظاهرة طبيعية وليست سلبية، وهو تنظير وتقعيد يأتي في حينه بعد الممارسة» ، إذ لم توجد قبل التدوين «ضرورة ملحة توجب سرعة التنظير، بمثل ما نراه في الفقه الغربي الوضعي، لأنه لم تقم مشكلة تتعلق بشرعية الأحكام في الفقه الإسلامي» 3.
لقد حلت ساعة التدوين والتنظير إذن، بعد أن علم كل أناس مشربهم، فها هي ذي مصادر ومناهج الإمام مالك معروفة متداولة يناقشها العلماء في منتدياتهم ومراسلاتهم، وقبلها مصادر ومناهج الإمام أبي حنيفة النعمان وصحبه، وغيرهما من العلماء والفقهاء كثير ...
بل ها هو ذا الإمام الشافعي يصنف - قبل تأليف الرسالة - عددا من المؤلفات لمناقشة حجية