أما الأستاذ أبو طاهر الخطابي، وهو محقق كتاب إيضاح المسالك إلى قواعد الإمام مالك، لأبي العباس الونشريسي (ت 914 هـ) فقد اكتفى بإظهار أهمية القواعد الفقهية بالنسبة للفقيه، مقارنا أهميتها بمكانة ووظيفة القواعد الأصولية بالنسبة للأصولي، فإذا كان «الأصولي يعتبر القواعد الأصولية هي المعايير الصحيحة لاستنباط الأحكام الشرعية من منابعها الأساسية، فكذلك الفقيه يعتبر القواعد الفقهية معيارا لتنظيم فروع الفقه، وجمع أحكامها المتنوعة والمتشعبة» 1.
فإذا اعتبرنا أن هذا التصور الأخير يضع حدا فاصلا بين الأصولي والفقيه، فإن وظيفة القواعد الفقهية حينئذ - على أهميتها - لا تتجاوز الوظيفة التنظيمية والتجميعية لشتات الفقه وتفريعاته الكثيرة، أما إذا اعتبرنا العلاقة بين الأصولي والفقيه من جهة، والفقه والأصول من جهة ثانية علاقة بنيوية تكاملية - وهذا هو المفروض - فإن مقتضى هذا التكامل والتداخل بين العلمين لا يقف عند الحدود التنظيمية ولا يكتفي بها، وإنما يتجاوزها إلى التكامل في الوظيفة الاستنباطية والاجتهادية، وهذا نفسه الذي ينبغي وهو الذي حدث بالفعل، وهو ما نوه به الجهابذة الذين ألمحنا إلى أقوالهم من قبل.
اختلفت المواقف في ما يتعلق بدور القواعد الفقهية في مجال الاستنباط والإفتاء والقضاء، فهناك من يرى الاكتفاء بالاستئناس بها دون الاستناد عليها لوحدها.
وهناك من يرى إمكانية الاعتماد عليها في القضايا والنوازل التي ليس لها حكم فقهي.