منذ مطلع القرن التاسع عشر وإلى مطلع القرن العشرين الميلادي، خضعت معظم البلدان العربية والإسلامية للاستعمار الأوروبي، ودخلت شعوبها في مواجهات مسلحة ومعارك سياسية من أجل تحرير نفسها، وتخلل هذه المواجهات والمعارك صراع فكري بين ما هو دخيل وما هو أصيل، في كل المجالات ومنها المجال العلمي والعملي، ومن أهم واجهات هذا الصراع المجال الفقهي والقانوني، حيث احتدم بين الشرع والفقه من جهة، وبين القوانين الأوروبية الوافدة من جهة أخرى صراع مرير ما تزال آثاره ماثلة بين ظهرانينا إلى اليوم، وكان من نتائج هذا الصراع إبعاد الشريعة والفقه عن معظم مجالات الحياة اليومية للمسلمين، وبعد أن حصلت البلدان الإسلامية على استقلالها، وأفاقت الشعوب من ذهولها بعد مضي مدة زمنية على هذا الاستقلال، شهدت الأمة الإسلامية صحوة جديدة، وتاقت إلى استئناف حياتها في ظلال شريعتها وفقهها، فكان من ثمار ذلك صحوة علمية شملت أصول الفقه، فيما شملته من علوم ومعارف إسلامية، فتولد عن ذلك تبسيط أصول الفقه وتدريسه في الكليات والجامعات، بما في ذلك كليات الحقوق ومعاهد الدراسات القانونية والقضائية، وتحقيق وطبع التراث الأصولي القديم، وانتعاش الدراسات المقاصدية، والدراسات الأصولية المفردة، ليتوج كل ذلك بالتنادي إلى تجديد وتطوير علم الأصول.
وسنحاول في هذه الفقرة إبراز ومعالجة أهم هذه الجهود الأصولية المعاصرة من خلال المحاور التالية:
أولا: تحقيق وطبع التراث الأصولي: