و ذلك يقتضي اختلاف الأحكام بحيث لا تخرج عن الشرع بالكلية» إلى غير ذلك من النصوص الدالة على هذا الفهم التوفيقي الاضطراري الذي لم يختص بمجال الفقه والأصول، بل شمل كذلك مجالات العقيدة والأخلاق والسياسة ونظم الحكم أمام الانبهار أو الضغط المتأتي من الاحتكاك بطلائع الاستعمار الأوروبي.
و قد بذل الشيخ جهدا كبيرا لإظهار توافق التشريعين الإسلامي والأوروبي، حتى بالنسبة للأحكام التي يظهر أنه ليس لها نظير في الفقه الإسلامي، من مثل استدلاله على اكتساب صفة المواطنة أو زوالها في القانون الفرنسي، بأحكام تتعلق بالأيمان في الفقه المالكي 1.
هذا المسار النظري المقارن للقوانين الأوروبية بالفقه الإسلامي من جهة، والمسار العملي التطبيقي للقوانين الوضعية في البلدان الإسلامية من جهة أخرى، أسفر في نهاية المطاف عن اقتناع بعض علماء الشريعة بضرورة التعامل مع بعض المعطيات القانونية وإدخالها إلى أصول الفقه، كأمر واقع لا يمكن تجاهله، وكان على رأس هؤلاء الشيخ عبد الوهاب خلاف (ت 1376 هـ/1956 م) الذي أشار في مقدمة طبعة كتابه «علم أصول الفقه»
لسنة 1366 هـ/1947 م إلى كونه عمل في كتابه هذا على تذليل الصعاب وتقريبه للتناول، حيث قام بصياغة مسائل أصول الفقه، حسب قوله: «في قواعد كلية، وأن أورد أمثلتها التطبيقية من النصوص الشرعية ومن مواد القوانين الوضعية، وأن أقارن بين كثير من بحوثه وما يقابلها من بحوث علم أصول القوانين» 2.
و بهذا الصنيع تكون المواد القانونية قد عرفت طريقها إلى أصول الفقه في معظم المصنفات الأصولية إلى وقتنا هذا.