المصادر التي تحدثت عنها حتى إلى اسم مرسلها الشاطبي، ولم تذكر هذه المراسلات بنصها مما جعل الدكتور الريسوني يتأسف «غاية الأسف أن تكون رسائل لها كل هذه القيمة العلمية والتاريخية قد ضيعت» 1.
و إذ أشاطره في أسفه، فإنني أكاد أجزم أن السبب الذي دفع إلى إخفاء هذه المراسلات، هو نفسه السبب الذي أدى إلى إقبار تراث الشاطبي وخصوصا الموافقات، لأنه كان يدعو إلى التجديد والاجتهاد ونبذ التقليد والابتداع، وهي الأمور التي رفضت في زمن الانحطاط والابتداع والركون إلى التقليد.
بعد انتكاسة محاولة الشاطبي التجديدية، عاد علم أصول الفقه إلى سابق عهده مواصلا مسيرته التقليدية المتسمة بالجمود والدوران في حلقة مفرغة من الشروح والمختصرات والمنظومات والحواشي، فضلا عن استمرار محاولات الجمع بين طريقتي المتكلمين والفقهاء، والتي ابتدأت بكتاب «بديع النظام الجامع بين أصول البزدوي والإحكام» لمظفر الدين أحمد بن علي الساعاتي الحنفي (ت 694 هـ) ، كما صنفت فيها عدة مصنفات أخرى مثل «تنقيح الأصول» لصدر الشريعة عبيد اللّه بن مسعود البخاري الحنفي (ت 747 هـ) ، و «التحرير» لكمال الدين بن الهمام الحنفي (ت 861 هـ) ، ولم أتعرض لهذه الطريقة لعدة أسباب منها:
-أن غالب القائمين بها من الأحناف، ولعل طريقة المتكلمين قد استهوتهم، فارتأوا ولوجها تحقيقا لرياضة فكرية في وقت توقف فيه الاجتهاد.