إن ما يمكن استنتاجه من هذين النصين السابقين، يتمثل في عدة حقائق علمية، وهذه بعضها مما يهم هذا المبحث، وهي:
1 -الحقيقة الأولى:
و تتمثل في كون الإمام أبي جعفر الباقر (57 هـ114/) ، وابنه أبي عبد اللّه الصادق، من أوائل من «فتح باب هذا العلم وفتق مسائله» ...
وفرق كبير جدا بين فتح باب العلم وفتق مسائله، وبين التأليف في العلم وتدوينه، وهو ما نتحدث عنه، أما الأولوية في الفتق والفتح نفسها، فإنها غير منضبطة تاريخيا، وقد استعرضنا في الفصول السابقة تداول العلماء والفقهاء، انطلاقا من عهد الصحابة، للعديد من المسائل الأصولية والاستنباطية.
2 -الحقيقة الثانية:
كونهما، أي الإمام الباقر والإمام الصادق، «أمليا على جماعة من تلامذتهما قواعده ومسائله» ، فإن هذه الحقيقة تلحق بالحقيقة الأولى وتتبعها، وقد رأينا كيف أن قواعد الفقهاء المعاصرين للإمامين، أمثال ابن المسيب وإبراهيم النخعي، قد تحملها تلامذتهما المباشرون وغير المباشرين أمثال حماد بن سليمان، وأبي حنيفة ومالك بن أنس ...
3 -الحقيقة الثالثة:
و هي منبثقة عن الحقيقة الثانية، وهي التي تقرر أن مرحلة ما قبل «رسالة» الشافعي لم تشهد تدوينا لعلم أصول الفقه، «و لكن الحق أن ما ذكروه من قبيل القواعد والمناهج التي كان يسير عليها الفقهاء، وهي قواعد كانت موجودة حتى في عصر الصحابة» .
4 -الحقيقة الرابعة:
و هي أن أسبقية التأليف والتدوين في مجال علم أصول الفقه كانت للإمام الشافعي، رغم الإرهاصات السابقة الممهدة والمفيدة لهذا التدوين، وعليه فإن أول من ألف في الأصول كتابا مستقلا متكاملا هو الشافعي في الرسالة.