ج - مبادئ التصوف: وهي مباحث تنتمي إلى مجال آخر لا صلة له بالفقه وأصوله ولا بعملية استنباط الأحكام بأي وجه من الوجوه، وقد ختم بها الإمام تاج الدين السبكي (ت 771 هـ) كتابه جمع الجوامع، دون ذكر وجه ارتباطها بعلم أصول الفقه، اللّهم إذا اعتبرنا قوله: إن معرفة اللّه تعالى «مبنى سائر الواجبات إذ لا يصح بدونها واجب بل ولا مندوب» 1، مسوغا لهذا الإقحام باعتبار ما في الأمر من علاقة عبورية يمكن تصويرها كالتالي:
أصول الفقه علم لاستنباط الأحكام العملية للمكلفين، التصوف يؤهل المكلفين تربويا لمعرفة اللّه والقيام بالتكاليف، إذن التصوف جزء من علم أصول الفقه.
و لو اعتبرنا صحة هذه العلاقة العبورية المفترضة لإدخال التصوف في علم أصول الفقه، لسوغنا إقحام سائر العلوم المرتبطة بأحوال المكلفين: كالطب الذي يهتم بصحتهم وقدرتهم على القيام بالواجبات الشرعية، والاقتصاد الذي يؤهلهم لأداء فريضة الزكاة، وعلم النفس الذي وجدنا من يدعو إلى استفادته من علم أصول الفقه 2، وليس بمستغرب أن نجد من يدعو لإدخاله إلى علم الأصول فهو قرين التصوف - بوجه ما - في العناية بالأحوال النفسية للمكلفين.
سنحاول في هذا المبحث تلمس أهم التأثيرات التي نجمت عن امتزاج القضايا والمسائل والمباحث الكلامية بأصول الفقه، ولئن كان عدد من الباحثين المحدثين قد قاموا برصد بعض التأثيرات الإيجابية، فإن الاتجاه