و الواقع أن تغيير بنية الأصول بتأثير المباحث الكلامية ثم المنطقية حقيقية لا يماري فيها أحد، وذلك على النحو نفسه الذي سجلته هذه المقولة، وإذا كنا قد تحدثنا عن العلة الأصولية التي نسبها الباحث إلى المنطق وبينا أن هذه النسبة غير مسلمة، كما خصصنا فقرة كاملة للقضايا الكلامية والفلسفية ومدى جدواها لأصول الفقه، فإن القدر المسلم به أن شخصية الإمام أبي حامد الغزالي (ت 505 هـ) الموسوعية قد تركت بصماتها في أصول الفقه بما في ذلك ترسيخ المقدمات المنطقية، فضلا أن معرفته الموسوعية بالفلسفة والمنطق والكلام بالإضافة إلى جملة من المعارف الشرعية بطبيعة الحال، قد مكنته من تطوير المنهج الأصولي وإعادة ترتيب وتبويب مباحث أصول الفقه بشكل غير مسبوق وعلى نحو منسق وواضح يسهل الاطلاع عليه، بعد أن مرت تجربته هو نفسه بعدة مراحل، حيث لم يوضح في مقدمة «المنخول» منهجه الذي سيسير عليه، بينما تقدم خطوة منهجية واضحة في كتاب «شفاء العليل» ليصل في خاتمة كتبه الأصولية «المستصفى» إلى استقلال منهجي حيث قسم مباحث الأصول إلى أقطاب أربعة، وصدر بداية كل قطب بالحديث عن النقاط التي سيبحثها والمنهجية التي سيسبكها، وقدم لكل ذلك بمدخل منطقي لم يدخله ضمن الأقطاب الأربعة ولا حتى اعتبره من ضمن المباحث الأصولية، بل على العكس من ذلك نص بصراحة على أن «هذه المقدمة ليست من جملة علم الأصول ولا من مقدماته الخاصة به، بل هي