تميزت المرحلة السابقة بمخاض كبير في مجال علم الأصول، نتج عنه ذلكم التنوع الكبير في الإنتاج العلمي.
ويمكن تشبيه المخاض المذكور بالحركة العلمية النشيطة التي سبقت تدوين علم الأصول على يد الإمام الشافعي، فإذا كان المخاض الأول قد أسفر عن تدوين العلم، فإن المخاض الثاني قد أسفر عن تحول جذري في اتجاه العلم ومناهجه.
وإذا كان الأول قد توج بالرسالة للشافعي، فإن الثاني قد أسفر عن عدد من المصنفات المشهود لها بالإسهام في هذا التحول الجذري، الذي أطلقت عليه إعادة تأسيس علم الأصول، وهذا هو ما يشير إليه بدر الدين الزركشي (745 - 794 هـ) بعبارته الشهيرة: «و جاء من بعده (أي بعد الشافعي) فبينوا وأوضحوا وبسطوا وشرحوا، حتى جاء القاضيان:
قاضي السنّة أبو بكر الطيب، وقاضي المعتزلة عبد الجبار، فوسعا العبارات، وفكا الإشارات، وبينا الإجمال، ورفعا الإشكال» 1.
و قد سار كل من كتب في تاريخ علم الأصول على هذا المسار دون الالتفات إلى جهود الإمام الحنفي أحمد بن علي الجصاص (ت 370 هـ) ، اللهم تلك الإشارة المجملة لابن خلدون والتي يشير فيها إلى جهود الأحناف في مجال الأصول بعد الشافعي بصفة عامة بقوله: «ثم كتب فقهاء الحنفية فيه (أي في علم الأصول) وحققوا تلك القواعد وأوسعوا القول فيها» 2.
*الفقرة الأولى: رواد الأصول في القرن الرابع الهجري
خلافا لما هو شائع قديما وحديثا، يبدو أن المساهمين في بلورة