للمدارسة بين العلماء، إما بمناقشتها وتحليلها كاملة، أو مدارسة أحد موضوعاتها على وجه الاستقلال، وأحيانا بالرد عليها أو شرحها، أو التعليق عليها، ولكن القول بمحورية الرسالة وموضوعاتها، لا يعني أبدا أن العلماء وقفوا عليها لا يتعدونها أو يتجاوزونها، كما سنرى في ما يلي، حيث سنستعرض جانبا من المجهود العلمي المبذول في المجال الأصولي، ثم نتعرض لملامح أهم التطورات التي شهدها هذا العلم بعد ذلك إلى يوم الناس هذا.
لقد توالت جهود التطوير في المجال الأصولي، إلى غاية ظهور كتب ومصنفات القاضيين: أبي بكر الباقلاني الأشعري المالكي (ت 403 هـ) ، وعبد الجبار الهمذاني المعتزلي الشافعي، (ت 415 هـ) التي أحدثت، إلى جانب مصنفات أخرى، نقلة نوعية في علم أصول الفقه، وبالرجوع إلى كتب التراجم والحوليات وغيرها، يمكن تلمس جهود التطوير الأصولي الكبيرة التي بذلت طوال القرنين الثالث والرابع الهجري، وهذا رصد موجز لبعض هذه الجهود الضخمة وأصحابها1، علما بأن الكثير منها لم يصلنا منه إلا الاسم فقط، إلا أن كتب أصول الفقه حفظت لنا آراء كثير من مصنفيها من العلماء والأصوليين المشهورين، وربما يعود عدم وصولها إلينا إلى كون المؤلفات الأصولية التي أتت بعدها تفوقت عليها بجدة صنعتها واكتمالها، فاستغنى الأصوليون والفقهاء بها عما سواها (أنظر الجدول أدناه) .