في منتصف القرن الرابع الهجري بلغ الفقه الإسلامي قمته، وبدأت حركة الاجتهاد بالتوقف ثم بعد ذلك أغلقت 1، ورغم أن أصول الفقه بدأ يدخل مرحلة من الجمود والتقليد إلا أنه تميز عن الفقه بنوع من الحركية، ومن ثم أصبحنا نلاحظ خطين متمايزين لمسار كل منهما، وهذا التمايز لازم مسارهما منذ البداية: فقبل تدوين أصول الفقه كان الفقه ذاته قد بلغ أوج قوته وذلك ببروز الفقهاء المجتهدين اجتهادا مطلقا وعلى رأسهم أصحاب المذاهب من أمثال ابن حنيفة، ومالك والشافعي، والأوزاعي، وأحمد ... وغيرهم الكثير.
وحينما بلغ علم أصول الفقه قمة ازدهاره في بداية القرن الخامس الهجري، كان الفقه قد دخل مرحلة الجمود والتقليد، وتوقفت حركة الاجتهاد، فلماذا إذن تعاكس هذان المساران وتناقضا؟
في بداية الأمر كان الوضع طبيعيا، لأنه كما سبقت الإشارة إلى ذلك كان المنهج الأصولي يستعمل استعمالا كمونيا ولم يحتج الناس إلى ضبطه وتقييده، بل إن ضبطه وتقييده كان يعكس حالة من التخوف على ضياع هذا المنهج الكامن واختلال حركة التشريع والاجتهاد الفقهي.
أما في بداية القرن الخامس فنجد أن ازدهار أصول الفقه قد اقترن مع تراجع الاجتهاد الفقهي، ويمكن إرجاع ذلك إلى عدة أسباب من أهمها:
1 -رغبة بعض المنتمين للمذاهب في التأصيل لمذاهبهم وإظهار قوتها.
وينطبق ذلك بصفة خاصة على المذهب الحنفي والمذهب الحنبلي، وعلى سبيل المثال فإن الحنابلة من أمثال القاضي أبي يعلى (ت 458 هـ) وأبي الخطاب الكلوذاني (432 هـ-510) وابن عقيل (ت 513 هـ) «كتبوا في أصول الفقه وبذلوا في سبيل إثبات أصول الإمام أحمد جهدا كبيرا» وهكذا قام أبو يعلى بتتبع «ما روي عن الإمام أحمد، وأخذ يستنبط من ثناياه أدلة