و يخطئون أحيانا، تفرقت السبل ببعضهم وتشعبت الآراء، ونشأت مدارس وآراء وأحزاب، وتكلم كل فريق بناء على أصول ومرجعيات اقتصرت على النقل أحيانا، أو مجدت العقل أحيانا أخرى، أو مازجت بين النقل والعقل أحيانا.
وفي كل هذا وذاك درجات ومراتب تتفاوت في الأخذ بهذه المصادر والمرجعيات، وتتخذ لها مواقف من فكر الأولين ديانات وفلسفات، رفضا قاطعا أو أخذا كليا، أو تعاملا انتقائيا.
وكل هذا أمر طبيعي وجائز، قد وقع في الأمم السابقة مثله، ومرت من طريقهم أمة الإسلام.
فكان النقاش والكلام، ثم تأسس علم الكلام: طرائق ومناهج، وردود من فئات، وفرق وأحزاب.
و يا ليت علماء الكلام، التزموا بمنهج القرآن الكريم، في ما يتعلق بإقرار الحقائق العقيدية المختلفة، وبآداب الجدل والحوار مع الخصوم، لكنهم - في الغالب - انحرفوا عن هذا المنهج وسلكوا طرقا ملتوية في مصنفاتهم، وأصبح هدفهم الأساسي هو «إقحام الخصم وإسكاته، لا الأخذ بيده إلى الحقيقة ... فشاع بينهم الإلزام، وكثرت بينهم الاتهامات، ولم يعد يرى أحد الحق خلاف ما يراه، فاختفت الموضوعية وسادت الذاتية» 1.
استعرض الشهرستاني (ت 548 هـ) في موسوعته «الملل والنحل»
الشبهات الأولى التي تعرض لها المسلمون في دينهم، والتحديات التي اعترضت حياتهم، فنتجت عنها الخلافات الفكرية، التي كانت بمثابة البذور الأولى للخلافات الكلامية وللمدارس الكلامية أيضا، وقد أعاد الشهرستاني بعض هذه البذور الخلافية والكلامية إلى زمن النبوة، ومنها حديث ذي