و لما كان الإفتاء والاجتهاد شأنا فرديا - إلا فيما ندر - فقد تضاربت الاجتهادات والأحكام والفتاوى.
وهكذا تأكد لجميع المعنيين - علماء وحكام ورعية - ضرورة حل هذه المعضلة، وقد فكر عدد من هؤلاء، وخاصة العلماء والحكام ومستشاروهم، إما منفردين أو مجتمعين، في كيفية التصدي لهذا الاختلال أو التفاوت التشريعي، وخاصة عن طريق تدوين وتوحيد التشريعات التي تحكم الحياة العامة للمسلمين.
ففي أول سنة 137 هـ تولى الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور (95 - 158هـ) الخلافة، وهو المعروف بأنه كان من المشتغلين بطلب العلوم الشرعية المختلفة، وسرعان ما لاحظ وهو على كرسي المسؤولية العظمى، ذلك التفاوت التشريعي الذي أشرنا إليه، كما أن أحد أبرز المقربين منه، وهو عبد اللّه بن المقفع (توفي سنة 138 هـ أو 139 هـ) ، وهو الرجل القادم من بلاد ذات سبق في الحضارة والتقنين والتشريع، أشار عليه بضرورة توحيد التشريعات والقوانين الفقهية في مختلف الأمصار بأوامر سلطانية - وهو الأمر المألوف عند قومه من بني فارس - يقول ابن المقفع في ذلك: « ... يستحل الدم والفرج بالحيرة، وهما يحرمان بالكوفة، ويكون مثل ذلك الاختلاف في جوف الكوفة، فيستحل في ناحية منها ما يحرم في ناحية أخرى ... » ثم يقترح ما يراه مناسبا لحل هذا التضارب بقوله: «فلو رأى أمير المؤمنين أن يأمر بهذه الأقضية والسير المختلفة، فترفع إليه في كتاب، ويرفع معها ما يحتج به كل قوم من سنة أو قياس، ثم نظر أمير المؤمنين