فهرس الكتاب

الصفحة 47 من 361

في ذلك، وأمضى في كل قضية رأيه الذي يلهمه اللّه، ويعزم عليه عزما وينهى عن القضاء بخلافه، وكتب بذلك كتابا جامعا لرجونا أن يجعل اللّه هذه الأحكام المختلطة الصواب بالخطأ حكما واحدا صوابا، ورجونا أن يكون اجتماع السير، قربة لإجماع الأمر برأي أمير المؤمنين وعلى لسانه، ثم يكون ذلك من إمام آخر، آخر الدهر إن شاء اللّه» 1.

و معلوم لدى الدارسين أن أبا جعفر المنصور قد اقتنع بذلك، وعزم على القيام به، وقد وقع اختياره في بداية الأمر على الإمام مالك وكتابه الموطأ، لعدة اعتبارات ذكرها، ولكن رغبته في التوحيد التشريعي لم تتم، وإن كانت رغبته في التدوين والتوحيد العلمي والمنهجي قد أعطت بعض أكلها كما سنرى في الفقرة الموالية، يقول الإمام مالك: «لما حج أبو جعفر المنصور، دعاني فدخلت عليه، فحادثته وسألني فأجبته، فقال: إني عزمت أن آمر بكتبك هذه التي قد وضعت، يعني «الموطأ» فتنسخ نسخا، ثم أبعث إلى كل مصر من أمصار المسلمين منها نسخة، وآمرهم أن يعملوا بما فيها، ولا يتعدوها إلى غيرها، ويدعوا ما سوى ذلك من هذا العلم المحدث (أي الفقه) ؟ فإني رأيت أصل العلم رواية أهل المدينة وعلمهم.

قال الإمام مالك: فقلت يا أمير المؤمنين، لا تفعل هذا، فإن الناس قد سبقت لهم أقاويل، وسمعوا أحاديث، ورووا روايات، وأخذ كل قوم بما سبق إليهم، وعملوا به، ودانوا به، من اختلاف أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وغيرهم، وإن ردهم عما اعتقدوه شديد، فدع الناس وما هم عليه، وما اختار أهل كل بلد لأنفسهم.

فقال: لعمري لو طاوعتني على ذلك لأمرت به» 2.

لقد لجأت إلى هذه النقول وأثبتها عامدا، لإبراز الانشغال العام بأمر الاختلال والتفاوت التشريعي، ومقترحات رجال السلطة بالتقنين والتدوين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت