فهرس الكتاب

الصفحة 48 من 361

و التوحيد، وردود أهل العلم بضرورة إبقاء باب الاجتهاد مفتوحا دون إلزام، مع إقرارهم بضرورة التدوين ثم التوحيد التشريعي التدريجي.

لقد كان البعد السياسي والسلطوي إذن حاضرا، ولكن البعد العلمي كان مهيمنا على الجميع لا يستطيعون تجاوزه، فأهل العلم مقدرون ورأيهم مسموع، لا يتم تجاوزه في مجال اختصاصهم، وهذا ما عبر عنه أبو جعفر المنصور في خاتمة حواره مع الإمام مالك وذلك بقوله: «لعمري لو طاوعتني على ذلك لأمرت به» ، فقرار السلطان وأمره متوقف على إذن العالم الفقيه في مجال اختصاصه.

و بناء على هذا الانشغال العام والرغبة المشتركة، ازدهرت حركة التدوين في مختلف المجالات العلمية، ولكن دون تقييد للناس أو تحجير عليهم أو إلزامهم باجتهاد دون غيره، وهذا ما وسع على العلماء والحكام والرعية، فازدهرت العلوم ودونت، ثم تمخض عن كل ذلك مذاهب فقهية اختارها الناس عن طواعية، ودون إكراه، وهكذا، ففي سنة ثلاث وأربعين ومائة «شرع العلماء في تدوين الحديث والفقه والتفسير، فصنف ابن جريح بمكة، ومالك بالمدينة، والأوزاعي بالشام، ... وصنف أبو حنيفة رحمه اللّه الفقه والرأي ... وأبو يوسف، ... وكثر تدوين العلم وتبويبه ...

وقبل هذا العصر كان الأئمة يتكلمون من حفظهم، أو يروون العلم في صحف صحيحة غير مرتبة» 1.

و لقد نال المجال التشريعي الفقهي حظه الوافر من هذه الحركة التدوينية الواسعة، خلال النصف الثاني من القرن الثاني الهجري، فدونت أمهات الفقه، ثم توجت بتدوين رسالة الإمام الشافعي في أصول الفقه وضوابط الاجتهاد، وذلك لمعالجة ما قد يحصل من اختلالات في طرق ومناهج استنباط الأحكام والتشريعات، فحصلت بذلك النتيجة الطبيعية التي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت