على خلاف ما رأينا في الفقرة الأولى من مجهودات كبيرة بذلت في نطاق تأصيل وتصنيف أصول المذاهب، فقد بذلت جهود أخرى في نطاق محاولات تركيبية: إما عن طريق منهج المقارنة، أو الجمع بين منهجين أصوليين، لتتوج في نهاية الأمر بإبداع تركيبي شامل لا يعير للخصوصيات المذهبية - فقهية أو كلامية - الاعتبار الأول.
أولا: محاولة الدمج بين منهجين أصوليين:
و قد قام السمعاني بانتقاد شديد لطريقة المتكلمين الشافعية وغيرهم في التصنيف الأصولي، معتبرا أن أكثر تصانيفهم سطحية، اعتمدت على التلاعب باللغة، دون نفاذ إلى جوهر علم أصول الفقه، وذلك لأن أكثرهم «قد قنع بظاهر من الكلام، ورائق من العبارة، ولم يداخل حقيقة الأصول على ما يوافق معاني الفقه» .
أما بعض هؤلاء السطحيين - في نظر السمعاني - فلم يكتف بما سبق ذكره، بل إن «بعضهم قد أوغل وحلل وداخل، غير أنه حاد عن محجة الفقهاء، وسلك طريق المتكلمين» ، حيث اعتبر أن المبالغة في التنظير الكلامي قد أدى بهم إلى إخراج أصول الفقه عن مقاصده الفقهية، وهنا اغتنم السمعاني هذه المناسبة للهجوم هجوما عنيفا على المتكلمين الذين لم يقدموا للفقه وأصوله أي خدمة لأنهم «أجانب عن الفقه ومعانيه، بل لا قبيل لهم ولا دبير، ولا نقير ولا قطمير» .