فهرس الكتاب

الصفحة 45 من 361

إن هذا التوجه الذي حدده في البداية، هو القدر المتعارف عليه بين الدارسين، والذي لا يجادل فيه أحد، لكنه سرعان ما يقوم «بتسييس» كل مباحث أصول الفقه مقررا في لهجة قاطعة: «لسنا مبالغين إذا قلنا إن مراجعة بعض الفقهاء الأصوليين لمفهومي الطاعة والإجماع، مثلا، تهدف إلى دفع وتفويت كل محاولة لتوظيف واستغلال سلطوي - بالمعنى العام للكلمة - لمثل هذه المفاهيم، وعلينا بالتالي ألا نرى فيها مجرد مراجعة «دينية» نظرية محضة، ما دامت مشاكل الأمر والرفض (كذا!!) والواجب والطاعة، وغيرها من المشاكل المتصلة بالمجال السياسي، حاضرة في مثل هذه المراجعة» 1.

و لعله لا يغيب عن الباحث أن قضايا الأمر والنهي (و ليس الرفض كما قال) والواجب والطاعة من أساسيات التشريع في القرآن الكريم والسنّة النبوية، وأن ممارسة الإجماع قد سنها الصحابة الكرام، منذ اليوم الأول لوفاة الرسول صلّى اللّه عليه وسلم، وتابعهم على ذلك التابعيون والفقهاء، ولم يكن أبدا من اختراع مدوني أصول الفقه لمواجهة السلطة السياسية.

و تجدر الإشارة إلى كون أحد الباحثين الراسخين أكد، من خلال عملية استقرائية، أن خلفاء بني أمية «لم يحتضنوا فريقا من الفقهاء» وهذا ما ترتب عنه نشأة ما أسماه «الفقه الحر» على عكس الدولة العباسية حيث تبنت الدولة «بعض الفقهاء كأبي يوسف (ت 182 هـ) صاحب أبي حنيفة، وأعطته صلاحية رسم الخط الفقهي للدولة» 2.

إلا أن هذا المنحى لم يؤثر على استقلالية الفقهاء، كما لاحظ باحث آخر.

حيث إن العلماء في التاريخ الإسلامي «حاولوا، على صعيد الحجة الفقهية، أن يستقلوا بسلطان لهم في وجه سلطان الولاة» 3.

و أعتقد أن هذا التصرف، سواء من طرف الولاة أو من طرف العلماء، يمثل بداية تبلور نوع من النزوع إلى استقلالية كل من السلطتين التشريعية والتنفيذية عن بعضها البعض، حسب المقاربة القانونية الحديثة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت