فهرس الكتاب

الصفحة 44 من 361

لا أحد يجادل في أهمية وتأثير الظروف التاريخية، اقتصادية كانت أو اجتماعية أو سياسية، في تطور العلوم والمعارف، ولكن اعتبار الأسباب السياسية هي الدافع الأساسي والوحيد لنشأة وتدوين أصول الفقه، مردود عليه من عدة جوانب:

1 -لقد رأينا سابقا أن المنهج الأصولي، أو منهج الاستنباط كان موجودا وجودا «كمونيا» عند فقهاء الصحابة والتابعين قبل تدوين أصول الفقه، فقد كانوا يعللون الأحكام والفتاوى أحيانا، ويبينون أصولهم وطرق استنباطهم أحيانا أخرى، ولم يكن كل ذلك بدافع سياسي، بل بدافع الاستجابة للحاجيات «التشريعية» الطارئة والملحة، وكل ما فعله المدونون - وعلى رأسهم الإمام الشافعي - هو جمع هذه المناهج والأصول الاستنباطية وتدوينها لإتاحة الفرصة للفقهاء والمجتهدين والطلبة لاستعمالها بشكل منهجي موحد أو متقارب على الأقل.

2 -لم يؤثر عن المدون الرئيسي لأصول الفقه، وهو الإمام الشافعي، أنه دخل في صراع ما مع رجال السلطة في زمانه، كما وقع للإمام أحمد حين تحكم المعتزلة في رقاب بعض الخلفاء العباسيين، أو للإمام مالك من قبل، فالإمام الشافعي، وإن لم يكن من علماء «السلطان» ، فإنه لم يكن من المشتدين في معارضتهم، كما أن هؤلاء السلاطين إلى ذلك الوقت كانوا يقدرون الفقهاء ودورهم العلمي، ويحفظون لهم مكانتهم، وقدرا كبيرا من استقلاليتهم 1.

3 -إن الباحث السابق نفسه - وهو الدكتور عبد المجيد الصغير- متضارب في تقريراته، ومتناقض في أحكامه واستنتاجاته، ففي مقدمة كتابه يقرر أنه لا يقصد إلى تحويل علمي الأصول ومقاصد الشريعة إلى مجرد إنتاج «سياسي» بالدرجة الأولى «بل يؤكد فقط أن هذين العلمين من حيث النشأة في وسط تاريخي، اجتماعي وسياسي، لم يكن ممكنا إلا أن ينعكس عليهما تأثير هذا الوسط بكيفية من الكيفيات» 2.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت