لقد وقفت طويلا أمام هذه العبارة، وحاولت تلمس أو فهم الوجه الإيجابي المقصود منها فلم أفلح في ذلك، فلعل عبارة الكاتب لم تسعفه في إيضاح مراده، أو لعل مراده خفي على رغم محاولة استكشافه، فكون بحث المتكلمين في أصول الفقه أحدث نقلة نوعية فهذا مما لا يجادل في وقوعه ولا في مضمونه أحد، وهو مزج الكلام بالأصول، وذلك في حد ذاته لا يحكم عليه بكونه إيجابيا ولا سلبيا إلا بعد دراسة علمية وهو ما حاولنا القيام به.
وأما اعتبار الجهد الجماعي وحده عملا إيجابيا فلا أرى وجها لذلك، فمعيار العمل الجماعي - على فرض التسليم بوجوده في مصنفات الأصوليين المتكلمين - لا يكفي لوحده للحكم على هذا الجهد وتقويمه:
فقد يكون جهد ما في أي مجال إيجابيا أو سلبيا بغض النظر عن القائمين به، أفرادا أو جماعات.
و في مجال علم الأصول، كما في مجال الاجتهاد الفقهي والمعارف والعلوم الإسلامية الأخرى من تفسير وحديث، وباستثناء علامات بارزة من مثل الجهد الفقهي للمدرسة الحنفية على يد الفريق المؤسس لها: أبي حنيفة (80 هـ-150) وأبي يوسف (113 هـ-182) ومحمد بن الحسن الشيباني (132 هـ-189) وزفر بن الهذيل (119 هـ-158) فإن أهم النقلات النوعية تمت بواسطة علماء أفذاذ من أمثال الإمام مالك (93 هـ-179) والشافعي (150 هـ-204) ، وأبي الحسن الأشعري (260 هـ-324) ، وأبي بكر الباقلاني (338 هـ-403) والقاضي عبد الجبار (ت 418 هـ) ، وأبي الحسن البصري (ت 436 هـ) وأبي المعالي الجويني (419 هـ-478) وأبي حامد الغزالي (ت 505 هـ) وغيرهم.
فإذا كان المقصود بالجهد الجماعي انتماؤهم إلى مدارس فكرية معينة فهذه ليست ميزة موضوعية في حد ذاتها.
وإذا كان المقصود هو استفادتهم من جهود غيرهم ومن الظروف التي وجدوا فيها، فهذا ينطبق على كل العلوم وفي كل زمان ومكان، وإذا كان المقصود غير ذلك مما لم نذكره أو لم تسعف عبارة الكاتب في بيانه، فلا يكلف اللّه نفسا إلا وسعها.