لقد أدت هذه التفريعات اللامتناهية إلى الإسهاب اللامتناهي كذلك في بسط أدلة مختلف الأطراف ومناقشتها، وبذلك يطول الجدل وخصوصا حينما تؤدي هذه الرغبة الجامحة في التنظير إلى افتراض خصوم وهميين واعتراضات وهمية تستوجب المناقشة والرد، بحيث نجد أنفسنا أمام نقاش فارغ «حول مفترضات عقلية أو تقديرات متصورة لا وجود لها أو لا قائل بها» 1.
و لهذا نجد عند كثير من الأصوليين ما يوحي بهذه الافتراضات، وذلك مثل قولهم: «فإن قال قائل» أو «قال قائلون» أو «صار صائرون» 2.
دون تحديد القائل أو القائلين بالضبط، والأدهى من ذلك أن هذه الافتراضات أدت أحيانا إلى نسبة أقوال خطيرة لبعض الأصوليين، وخصوصا من المعتزلة، وكمثال على ذلك فإن أبا المعالي الجويني (419 هـ-478)
يشكك في صحة نسبة القول بجواز السجود بين يدي الصنم مع قصد التقرب إلى اللّه إلى أبي هاشم الجبائي المعتزلي (257 هـ-321) مع أن كل كتب الأصول تنسب ذلك إليه، يقول الجويني « ... وهذا ما لم أطلع عليه من مصنفات الرجل مع طول بحثي عنها» 3.
و هناك مثال آخر على ذلك، وهو نسبة ابن برهان البغدادي للمعتزلة قولهم بأن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم قبل بعثته «لا بد وأن يكون على دين، ولكن عين ذلك الدين غير معلوم عندنا» .
وهذا ما نفاه محقق الكتاب، وهو ما تأكد لنا بعد الرجوع إلى كتاب المعتمد لابن الحسين البصري المعتزلي (ت 436 هـ) الذي بسط آراء المعتزلة في هذه المسألة الكلامية، بل إنه حسم في الأمر بالعنوان الذي بسط تحته المسألة بقوله: «في جواز تعبد النبيّ الثاني بشريعة الأول، وفي أن نبينا عليه السلام لم يكن متعبدا قبل النبوة ولا بعدها بشريعة من تقدم لا هو ولا أمته» 4.