هذه المسألة والخلاف فيها في أصول الفقه؟ إن الهدف هو تحقيق المتعة الفكرية أو الترف العقلي عن وعي وقصد وسبق إصرار كما يقول رجال القانون، وهذا ما يؤكده الزركشي كذلك بتأكيده أن هذه المسألة «إنما ذكرت في علم الأصول لأنها تجري مجرى الرياضيات التي يرتاض العلماء بالنظر فيها، كما يصور الحيسوب مسائل الجبر والمقابلة، فهذه من أصول الفقه من رياضياته» 1.
و غني عن البيان أن قضية رياضية ترفية مثل هذه لا تولد إلا جدلا عقيما بين من يثبتون أن اللغة اصطلاحية، أو من ينفون ذلك، ومن يتوقفون في الحكم بالتوقيف أو بالاصطلاح، وبعد مبحث طويل في المسألة لا يخرج القارئ من الجدل حولها بأية فائدة تذكر، اللهم إلا المتعة المذكورة التي لا تفيد أصول الفقه، فلا غرابة بعد ذلك أن يحكم عليها كثير من الدارسين وعلى أمثالها بأن «بحثها لا فائدة منه، وذكرها في مباحث علم الأصول من الفضول» 2.
و لا غرابة كذلك أن يتوسع الأصوليون في مثل هذه المسائل والمباحث كلما ابتعد الفقه وأصوله عن مجال الحياة العامة للمسلمين، فعندما أغلق باب الاجتهاد، اتجه أصحاب العقول القوية إلى أصول الفقه ومباحثه النظرية هاته لأنه يفتح لهم «بابا لرياضة فقهية من غير أن تتورط في استنباط أحكام تخالف ما قرره أصحاب المذهب الذي ينتمون إليه» 3.
و إن مما يزيد تأكيد ما سبق تقريره هو أن ازدهار علم أصول الفقه، وارتفاع درجة امتزاجه مع القضايا الكلامية اقترنا مع بداية توقف حركة الاجتهاد الفقهي في نهاية القرن الرابع وبداية القرن الخامس الهجري، حيث يبدو للباحث وكأن ازدهار الأصول سيرا على المنهج الكلامي، قد حل محل الاجتهاد الفقهي المتوقف أو المغلق.